وسط مساعي حكومية لتعزيز إيرادات الخزينة وتأمين تمويل خارجي بالتعاون مع البنك الدولي، يطرح خبراء اقتصاديون تساؤلات جدية حول قدرة هذه الإجراءات على إحداث تحول فعلي في الاقتصاد اللبناني، في وقت لا تزال فيه الضغوط المعيشية ترهق المواطنين والقدرة الشرائية في تراجع مستمر. ويرى هؤلاء أن التعافي لا يُقاس بأرقام الخزينة وحدها، بل بقدرة الاقتصاد على إعادة إنتاج الثقة والتمويل والنمو.
وأوضح تقرير نشره موقع صيدا أون لاين أن النقاش حول الأزمة الاقتصادية اللبنانية يتركز حالياً على مسارين متوازيين: زيادة التحصيل الضريبي من جهة، والاستفادة من محفظة قروض البنك الدولي من جهة أخرى، في ظل محدودية الموارد المالية المحلية وحاجة ماسّة إلى إعادة تأهيل البنى التحتية.
زيادة الإيرادات لا تعني بالضرورة تحسناً اقتصادياً
يرى الخبير المحاسبي المجاز ربيع داغر أن ارتفاع الإيرادات الضريبية لا يمكن اعتباره وحده مؤشراً إلى تحسن الوضع الاقتصادي، خصوصاً إذا لم يترافق مع تطوير الخدمات العامة وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
وفي تصريحات نقلها صيدا أون لاين، أوضح داغر أن زيادة الضرائب قد تساهم في تعزيز موارد الخزينة، لكنها لا تعكس بالضرورة نمواً اقتصادياً فعلياً، في ظل استمرار المشكلات المرتبطة بالكهرباء والبنى التحتية والنقل وإعادة الإعمار، فضلاً عن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
واعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لاعتماد خطة جدية لمكافحة التهرب الضريبي وتحسين آليات الجباية، بما يسمح بزيادة الإيرادات من دون تحميل المواطنين أعباء ضريبية إضافية، وهو ما ينسجم مع توجهات المؤسسات المالية الدولية التي تشترط إصلاحات هيكلية قبل أي دعم مالي.
كما لفت إلى إمكان الاستفادة من الأنشطة الاقتصادية الجديدة، ولا سيما التجارة الإلكترونية بين لبنان والخارج، من خلال تطوير الرقابة وآليات التحصيل الضريبي وفق القوانين المعمول بها، بما يساهم في توسيع القاعدة الضريبية وتعزيز موارد الدولة من دون مساس بجيوب اللبنانيين.
محفظة البنك الدولي: ما حجمها وما شروطها؟
تشكل القروض التي يسعى لبنان إلى الحصول عليها من البنك الدولي إحدى الأدوات المتاحة لتمويل المشاريع العامة ودعم المؤسسات. وقد كشفت معلومات متداولة في وسائل الإعلام أن وزير المالية في الحكومة اللبنانية يشير إلى وجود محفظة قروض تنموية من البنك الدولي تبلغ نحو 1.4 مليار دولار، يمكن الاستفادة منها وفق شروط تنفيذ المشاريع ومتطلبات الصرف، بحسب ما أفاد مركز بيروت الإخباري.
وذكرت المرصد أون لاين أن هذه المحفظة متاحة للتنفيذ في قطاعات الطاقة والمياه والزراعة وإعادة الإعمار والرقمنة والحماية الاجتماعية، مع أولوية لتسريع المشاريع ضمن موازنة 2027 التي تتضمن نفقات استثمارية تبلغ 58,569 مليار ليرة.
وتشير مصادر اقتصادية إلى أنه لا يمكن تقييم أهمية هذه القروض انطلاقاً من حجم التمويل وحده، بل من طبيعة المشاريع التي ستُموَّل، وشروط الاقتراض، وقدرة الدولة على تنفيذها، ومدى انعكاسها على النشاط الاقتصادي وحياة المواطنين.
القروض وحدها لا تحرك الاقتصاد
في هذا السياق، يرى داغر أن التمويل الدولي يبقى مهماً للبنان، إلا أن تحريك الاقتصاد يتطلب أيضاً إعادة تفعيل القروض التجارية والصناعية وتوفير السيولة للقطاعات الإنتاجية.
وأشار إلى أن القروض المخصصة للبنى التحتية أو تطوير المؤسسات العامة قد تحقق فوائد اقتصادية وخدماتية، لكن أثرها على الأسواق لا يكون بالضرورة مباشراً، ما يستدعي العمل بالتوازي على تنشيط التمويل الموجه إلى المؤسسات التجارية والصناعية التي تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد منتج.
وشدد على أن استعادة الثقة بالقطاع المصرفي تشكل شرطاً أساسياً لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد، معتبراً أن معالجة أزمة الودائع واستعادة الأموال والثقة بالنظام المالي من الخطوات الضرورية لإعادة تفعيل دور المصارف في تمويل المؤسسات والاستثمارات.
الاقتصاد النقدي وخدمات مالية بديلة
وفي ما يتعلق بالتحولات التي شهدها النظام المالي اللبناني، يشير داغر إلى أن تراجع دور المصارف وفقدان الثقة بها ساهما في توسع الاقتصاد النقدي وانتشار خدمات مالية بديلة، ولا سيما وسائل الدفع الإلكتروني والتحويلات وخدمات البطاقات.
وأوضح أن هذه الخدمات ساعدت المواطنين والمؤسسات على تسيير معاملاتهم المالية في ظل الأزمة المصرفية، وأصبحت تؤدي جزءاً من الوظائف التي كانت توفرها المصارف التقليدية. إلا أن انتشار هذه البدائل يعكس عمق أزمة الثقة التي أصابت القطاع المصرفي، ويؤكد أهمية إعادة بناء نظام مالي قادر على توفير التمويل للاقتصاد، وليس الاكتفاء بخدمات الدفع والتحويل.
مؤشرات التعافي بين التجارة الخارجية والقدرة الشرائية
وعن المؤشرات التي ينبغي مراقبتها لمعرفة ما إذا كان لبنان يسير فعلياً نحو التعافي، يضع داغر حركة الاستيراد والتصدير ومستويات الأجور والقدرة الشرائية في مقدمة المعايير الأساسية.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار السلع والخدمات لم يترافق مع تحسن موازٍ في الرواتب، ما أبقى القدرة الشرائية للمواطنين تحت ضغط مستمر. ويعتبر أن التعافي الاقتصادي لا يُقاس فقط بتحسن إيرادات الدولة، بل بمدى قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج وتحريك الأسواق وتحسين مستويات الدخل.
وفي هذا الإطار، تشكل تطورات التجارة الخارجية والأجور والنشاط الإنتاجي مؤشرات مهمة لتقييم اتجاه الاقتصاد، إلى جانب مستويات الاستثمار وفرص العمل واستقرار الأسعار.
موازنة 2027 وإصلاحات مشروطة
وتأتي هذه النقاشات في وقت أقر فيه مجلس الوزراء اللبناني مشروع موازنة عام 2027 الذي يستهدف تحقيق عجز إجمالي صفري وفائض أولي بقيمة 173 مليون دولار، مع زيادة الإيرادات والنفقات بنسبة 14% إلى 6.9 مليارات دولار، بحسب ما كشفه تقرير أفادت عنه وكالة جديدنا نيوز.
كما أفادت جريدة النهار بأن الأولويات الحكومية ترتبط برؤية أوسع لإعادة تموضع لبنان اقتصادياً كمحور عبور وتجارة في شرق المتوسط ومتصل بالاقتصاد الإقليمي، وهو توجه يبدو متسقاً مع السعي إلى تعزيز الشراكات مع المؤسسات المالية الدولية.
التعافي يتجاوز أرقام الخزينة
بين تعزيز الإيرادات الضريبية وتأمين القروض الدولية، يواجه لبنان تحدياً يتمثل في تحويل الموارد المالية المتاحة إلى نتائج اقتصادية ملموسة. فتحسين الجباية ومكافحة التهرب الضريبي وتوفير التمويل للمشاريع العامة خطوات يمكن أن تدعم الاستقرار المالي، لكنها تحتاج إلى أن تتكامل مع إصلاح القطاع المصرفي وتحفيز الاستثمار والإنتاج وتطوير الخدمات الأساسية.
فالتعافي لا يبدأ فقط من ارتفاع الإيرادات أو توافر القروض، بل من قدرة هذه الموارد والسياسات على تحقيق نمو اقتصادي مستدام ينعكس على المؤسسات والأجور والقدرة الشرائية للمواطنين اللبنانيين.
أسئلة شائعة
ما هي محفظة قروض البنك الدولي المتاحة للبنان؟
تبلغ محفظة القروض التنموية من البنك الدولي نحو 1.4 مليار دولار، وهي متاحة للتنفيذ في قطاعات الطاقة والمياه والزراعة وإعادة الإعمار والرقمنة والحماية الاجتماعية، وفق شروط تنفيذ المشاريع ومتطلبات الصرف.
هل تعني زيادة الإيرادات الضريبية تحسناً اقتصادياً؟
بحسب الخبير المحاسبي ربيع داغر، لا يمكن اعتبار ارتفاع الإيرادات الضريبية وحده مؤشراً إلى تحسن الاقتصاد إذا لم يترافق مع تطوير الخدمات العامة وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
ما هي مؤشرات التعافي الاقتصادي الحقيقية في لبنان؟
تشمل المؤشرات الأساسية حركة الاستيراد والتصدير، ومستويات الأجور والقدرة الشرائية، ومستويات الاستثمار وفرص العمل واستقرار الأسعار، إلى جانب النشاط الإنتاجي.
