أعلت مجموعة هيلتون الدولية في تقاريرها لعام 2026 أن 56 في المئة من المسافرين يعتبرون الراحة واستعادة النشاط الدافع الأول للسفر الترفيهي، في مؤشر واضح على تحول عميق في أنماط السياحة العالمية نحو ما يُعرف اليوم بـHushpitality، أي الضيافة القائمة على الهدوء والخصوصية.
فالضجيج الرقمي، والضغط المتزايد للحياة اليومية، والإشعارات التي لا تتوقف، دفعت المسافرين إلى البحث عن ملاجئ أكثر سكوناً، بحيث لم يعد السفر يُقاس بعدد الفعاليات والمغامرات، بل بجودة اللحظات الهادئة التي يمنحها، وفق ما أوردت تقرير للجريدة نشرته النهار العربية في 25 تشرين الأول 2026.
ما هو مفهوم الـHushpitality؟
المصطلح يجمع بين كلمتي Hush (الصمت أو الهدوء) وHospitality (الضيافة)، ويشير إلى اتجاه سياحي مصمم لمساعدة الضيوف على الابتعاد عن صخب الحياة اليومية، عبر بيئات هادئة ومساحات خاصة وتجارب تقلل المشتتات. وتشمل هذه التجارب الإقامة وسط الطبيعة، وعلاجات السبا، وممارسة التأمل، والنشاطات الصامتة، وحتى الانفصال المؤقت عن الأجهزة الرقمية.
واللافت أن هذا المفهوم لا يعني غياب الأصوات تماماً، بل توفير بيئة أقل ازدحاماً بالمحفزات. فقد يتجسد الهدوء في الاستماع إلى أمواج البحر، أو المشي في الغابة، أو جلسة سبا من دون التزامات اجتماعية. وهذا بحد ذاته أصبح شكلاً من أشكال الرفاهية المعاصرة.
أرقام هيلتون 2026: الراحة أولاً
تُظهر بيانات هيلتون أن 37 في المئة من المشاركين يرغبون في قضاء وقتهم وسط الطبيعة، فيما ذكر 36 في المئة أن تحسين صحتهم النفسية يتصدر دوافع سفرهم. كما يُعد السفر الفردي، وفق المجموعة الفندقية، الحل الأمثل لنيل الهدوء، إذ يخطط 26 في المئة من المسافرين لرحلات منفردة في 2026، ويشير 48 في المئة إلى نيتهم إضافة أيام للسفر الفردي قبل رحلاتهم العائلية أو بعدها.
وحتى في الرحلات الجماعية، يخطط 28 في المئة من المسافرين لاقتناص لحظات هدوء بمفردهم، سواء عبر تناول الطعام وحدهم في مطعم الفندق، أو الاستمتاع بمشروب في الردهة، أو التجول في الحي المجاور.
سوق سياحة العافية يتوسع
وتنسجم هذه التحولات مع بيانات Global Wellness Institute لعام 2026، التي تصنف الخصوصية بوصفها رفاهية قائمة بذاتها ضمن اتجاهات سياحة العافية، إضافة إلى اتجاهين بارزين هما البحث عن الراحة العميقة واستعادة التوازن النفسي عبر تجارب تخفيف الضغوط.
ووفق بيانات المعهد للعام الماضي، بلغ الإنفاق العالمي على سياحة العافية نحو 893.9 مليار دولار في 2024، مسجلاً نمواً بنسبة 13.8 في المئة مقارنة بعام 2023. وهذا الرقم يشمل طيفاً واسعاً من تجارب السفر المرتبطة بالعافية، وليس الإقامات الهادئة وحدها، لكنه يوضح اتساع السوق الذي تنتمي إليه تجارب الاسترخاء والصحة والرفاه. ويشهد هذا القطاع اهتماماً متزايداً في المنطقة العربية أيضاً، إذ أوردت Tourism Daily News أن رحلات العافية تتصدر اختيارات الباحثين عن الراحة في 2026، بينما سلطت فوشيا الضوء على وجهات سياحية مخصصة للاستجمام والابتعاد عن ضغوط العمل، ونشرت مجلة المنارة قائمة بوجهات عالمية تجمع بين الطبيعة والأنشطة الهادئة والعناية بالجسم.
كيف تطبّق الفنادق هذا الاتجاه؟
يختلف التطبيق بحسب طبيعة الفندق وتجربة الإقامة التي يقدمها. فبعض المنشآت تختار مواقع بعيدة نسبياً عن صخب المدن، مثل الأكواخ المحاطة بالغابات أو المنتجعات المطلة على البحر، بينما يوفر البعض الآخر مساحات مخصصة للتأمل والاسترخاء، أو مسارات للمشي وسط الطبيعة، أو برامج تركز على النوم والراحة.
ومن الأمثلة العملية على التجارب الصامتة، الغداء والعشاء الصامت الذي يتيح للضيوف الانتباه إلى تفاصيل الطعام والمحيط من دون التزام بخلوة صامتة طويلة، في نوع من اليقظة الذهنية. وتشمل التجارب المشابهة المشي الصامت، والإقامات التي تحد من الاتصال بالإنترنت، وبرامج النوم وسط الطبيعة.
فرصة للبنان في سوق الرفاهية
في قراءة اقتصادية، يقدم هذا الاتجاه فرصة ثمينة للبنان الذي يملك مقومات طبيعية نادرة، من جبال عكار وشوف إلى شواطئ الجنوب وسهول البقاع، فضلاً عن تراث ريفي وضيافة تقليدية تتقاطع بطبيعتها مع روح الـHushpitality. وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها القطاع السياحي اللبناني، قد يشكل الاستثمار في سياحة العافية والهدوء مساراً بديلاً يستقطب زواراً غربيين يبحثون تحديداً عن هذه التجارب.
ويبدو أن الهدوء لم يعد مجرد غياب للضجيج، بل سلعة سياحية بحد ذاتها، وسوقاً عالمية تتجاوز قيمتها 890 مليار دولار، تتنافس فيها الوجهات على تقديم أثمن ما يفتقده إنسان هذا العصر: الصمت.
