نشرت يورونيوز يوم 22 أكتوبر 2026 تحقيقا ميدانيا يظهر كيف تحولت بعض أشهر مواقع السباحة في أوروبا من منتجعات مائية إلى سواحل مغطاة بطبقات لزجة خضراء من الطحالب السامة، نتيجة عقود من الجريان الزراعي وتسرب مياه الصرف إلى المجاري المائية.
يخلص العلماء، بحسب تقرير يورونيوز، إلى أن الخلط بين سوء معالجة مياه الصرف الصحي والأسمدة والروث الناتج عن توسع مزارع المصانع هو السبب المباشر لهذه الفورات، بينما تسرّع مياه البحار الأدفأ بفعل تغير المناخ نمو هذه الطحالب التي تعطل النظم البيئية وتقتل الأسماك وتؤدي أحيانا إلى الغثيان والقيء والطفح الجلدي لدى البشر، وقد فرضت السلطات مئات قرارات حظر السباحة هذا الصيف.
إسبانيا: بحيرة مار مينور بين الحماية القانونية والضغط الزراعي
في لوس أوروتياس على الساحل الغربي لبحيرة مار مينور، أكبر بحيرة مالحة في أوروبا، تعيش فينا البالغة 84 عاما مع زوجها وسط أكوام من الأعشاب البحرية المتعفنة. تقول إنها لن تسبح في تلك المياه مرة أخرى.
«كان هذا المكان جنة حقيقية. البحر كان يعج بأحصنة البحر»، تضيف.
رغم منح الحكومة الإسبانية البحيرة وضع «شخصية قانونية» عام 2022 يمنحها حقوقا في الحماية والاستعادة، تظل تحت ضغط الجريان السطحي القادم من الأراضي الزراعية. وتشير دراسات تقديرية إلى أن الزراعة مسؤولة عن نحو 85 في المئة من المغذيات التي تدخل البحيرة، فيما تأتي البقية من مصادر حضرية.
«الأرض لم تعد قادرة على استيعاب كل هذا»، يقول بيدرو لوينجو، عالم الأحياء والمتحدث باسم مجموعة «إيكولوجيستاس إن أكسيون» في مرسية. «نحن منطقة تضحية».
في الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، جُمع أكثر من 4.000 طن من الطحالب من شواطئ البحيرة، أي ما يقارب وزن 1.000 فيل، في محاولة للحفاظ على جنة اصطناعية للسياح. لكن الصيادين لم يستفيدوا من هذه الجهود. يقول روبين ألبالاديخو، صياد من لو باغان: «كنا نصطاد في السابق كميات أكبر بكثير من الدنيس والقريدس. الآن أصبح الصيد أقل بكثير».
ويضيف أن ارتفاع حرارة المياه يعيق تكاثر هذه الأنواع: «وصلنا إلى 30 درجة، وهو أمر لم نشهده من قبل». وقد حذر علماء في أغسطس من أن تغير المناخ الذي يسببه الإنسان أضاف نحو درجتين مئويتين إلى ذروة حرارة البحر المتوسط، وبلغ متوسط حرارة المتوسط رقما قياسيا عند 27,07 درجة مئوية في يوليو، وفق منظمة «وورلد ويذر أتريبيوشن».
تمول وزارة البيئة الإسبانية ثمانية مشاريع بأكثر من 11,5 مليون يورو لخفض التلوث الناجم عن الثروة الحيوانية، ضمن برنامج وطني بقيمة 675 مليون يورو لإنقاذ البحيرة. لكن حتى نهاية 2025 لم يُنفق سوى نحو 16 في المئة من هذه الميزانية، وهو بطء يثير تساؤلات حول جدية التنفيذ.
أيرلندا الشمالية: لوخ ني تفقد صياديها
على بعد 2.000 كيلومتر، يراقب ديكلان كوني بحيرة لوخ ني، أكبر بحيرة في المملكة المتحدة، وهي تدمر صيفا بعد صيف منذ 2023 بفعل الطحالب الزرقاء الخضراء.
«الصيد غُرِس في داخلي جيلا بعد جيل»، يقول كوني. «هذا العام كان الأسوأ على الإطلاق. البحيرة ميتة».
تراجعت أعداد السلمون المرقط والأنقليس جزئيا بسبب الطحالب التي تستنزف الأكسجين وتثقل الشباك وتغلقها. ويضاف إلى ذلك غزو محار الحمار الوحشي، النوع الغازي الذي يستحوذ على العوالق النباتية ويلتصق بالشباك ويمزقها منذ مطلع الألفية. يقول كوني الذي يعمل في البحيرة منذ 1975: «لا يوجد أي مال في الصيد. لم يعد يشكل مصدر رزق».
نما قطاع الثروة الحيوانية في أيرلندا الشمالية بسرعة بدعم من خطط حكومية للتوسع منذ 2013؛ إذ ارتفعت أعداد الدواجن بنحو الثلث والخنازير بنسبة 74 في المئة. وفي وقت سابق هذا العام، اكتشفت منظمة «ووترشِد إنفستيغيشنز» غير الربحية وصحيفة «ذا غارديان» أدلة على وجود فضلات أبقار وخنازير وبشر في عينات مياه من البحيرة التي توفر 40 في المئة من مياه الشرب في أيرلندا الشمالية.
خلص تقرير لمكتب حماية البيئة في أبريل إلى أن اللوائح الهادفة لتحسين نوعية مياه البحيرة تحتاج إلى تشديد وتحسين في التنفيذ، مع مزيد من الدعم والرقابة داخل المزارع.
فرنسا: «لدينا حيوانات أكثر من البشر»
في بريتاني، ارتبطت طحالب الخس البحري بما يصل إلى ستة وفيات منذ ثمانينيات القرن الماضي، لأن تحللها ينتج غاز كبريتيد الهيدروجين القاتل. وعلى لوحة رسمية قرب بلدة سان بريو تحذر من الغاز، كتب أحد السكان عبارة «الخنازير».
«لدينا حيوانات أكثر بكثير من البشر»، يقول الكاتب البيئي إيف ماري لو ليه. فرغم أن شبه جزيرة بريتاني لا تغطي سوى خمسة في المئة من مساحة فرنسا، فإن نحو 6,8 مليون خنزير فيها تمثل 58 في المئة من إجمالي خنازير البلاد. وقد وجدت محكمة الحسابات الفرنسية عام 2021 أن أكثر من 90 في المئة من النيتروجين في الخلجان المتضررة مصدره الزراعة.
ويحذر الناشط فابريس هامون من أثر الجفاف هذا الصيف: «كل ما يلزم هو هطول مطر غزير، وها هي المشكلة. إنه سم بطيء المفعول». ويعمل هامون على نظام لرصد البكتيريا في نحو 20 نهرا، إضافة إلى تطبيق «Bloomin' Algae» التابع للمركز البريطاني لعلم البيئة والهيدرولوجيا المتاح في عدة دول أوروبية.
بحر البلطيق: العلم المواطن في مواجهة الفورات القياسية
في شمال ألمانيا، يقول يورغن لايخر، نائب رئيس فرع شليسفيغ هولشتاين في منظمة BUND البيئية الذي يجمع متطوعون عبره عينات مياه مرتين شهريا، إن فورات هذا العام هي الأسوأ التي رآها منذ أربعين عاما. وقد اقتربت درجات الحرارة في ألمانيا من 42 درجة مئوية لثلاثة أيام متتالية في يونيو.
«تشعر بالخوف حقا عندما تبحر لمئات الأميال عبر بحر أصفر بني متسخ»، يقول لايخر. «على امتداد هذا الطحالب، كان البحر ميتا؛ لا ترى أي طيور أو ثدييات أو أسماك. الفراغ تام».
تقول إيزابيل زيغر، خبيرة حماية البحار لدى «دويتشه أومفِلت هيلفه»، إن «نظامنا الزراعي الحالي، الذي يعتمد على استهلاك مرتفع للأسمدة وعلى الروث القادم من تربية الماشية على نطاق واسع، هو أكبر سبب لحالة الإثراء الغذائي في بحر البلطيق». وتقدر الهيئة الحكومية الدولية «هيلكوم» أن الزراعة مسؤولة عن ما يصل إلى 90 في المئة من النيتروجين و80 في المئة من الفسفور في الجريان السطحي نحو البلطيق.
وتتفاقم الحلقة الراجعة الخطرة: عندما تموت الطحالب تغرق حاملة كميات كبيرة من الفسفور إلى قاع البحر، ثم يعاد إطلاقه في السنوات التالية بوتيرة أسرع مع احترار المياه.
ما الحل المطروح؟
«العلم واضح بشأن ما يجب القيام به»، يقول البروفيسور فريد هيلم تاوبه من جامعة كيل الذي أمضى 12 عاما مستشارا لوزارة الزراعة الألمانية. ويقترح دعم المزارعين في استخدام كميات أقل من الأسمدة الغنية بالنترات، وزراعة محاصيل التقاط مثل البرسيم العشبي التي تمتص المغذيات الزائدة قبل تسربها إلى الأنهار، وتقليل كثافة الحيوانات إلى وحدة ماشية واحدة لكل هكتار.
ويقدم هذا النموذج الأوروبي درسا مفيدا للبنان الذي يواجه بدوره تحديات تلوث مياهه الساحلية والجوفية: الرقابة الفعالة على الإفراط الزراعي والشفافية في نشر بيانات جودة المياه ليستا ترفا بيئيا، بل شرطان لصحة عامة واقتصاد سياحي مستدام.
أسئلة شائعة
ما أسباب فورات الطحالب السامة في أوروبا؟
السبب الرئيسي هو تلوث المغذيات الناتج عن تسرب الأسمدة والروث من الزراعة المكثفة ومياه الصرف السيئة المعالجة، مع تسريع تغير المناخ للنمو عبر ارتفاع حرارة المياه.
هل تشكل الطحالب الزرقاء الخضراء خطرا على صحة الإنسان؟
نعم، إذ يمكن أن تسبب الغثيان والقيء والإسهال وتهيج الجلد، وقد فرضت السلطات مئات قرارات حظر السباحة في أنحاء أوروبا هذا الصيف.
ما نسبة مسؤولية الزراعة عن التلوث؟
تشير التقديرات إلى نحو 85 في المئة من المغذيات في بحيرة مار مينور الإسبانية، وأكثر من 90 في المئة من النيتروجين في خلجان بريتاني، وما يصل إلى 90 في المئة من النيتروجين في الجريان نحو بحر البلطيق.
