كشف الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار المصرية، في معطيات وثقها مصراوي.كوم بتاريخ 20 تشرين الأول 2026، عن خريطة واسعة للآثار الغارقة التي تربط عظمة الحضارة المصرية بأعماق البحر الأحمر والمتوسط ومجرى النيل، من أقدم ميناء صناعي في العالم إلى مدن بأكملها ابتلعتها المياه قبل قرون.
وتشكل هذه المواقع المغمورة شهادة على الدور الذي لعبه الموقع المصري جسراً بين الشرق والغرب عبر آلاف السنين، وهو ما يكتسب اليوم بعداً ثقافياً وسياحياً يتقاطع مع الجهود الدولية الرامية إلى توثيق التراث البحري وحمايته من النهب والتهريب.
ميناء وادي الجرف: أقدم ميناء صناعي في العالم
يتصدر ساحل البحر الأحمر ميناء وادي الجرف الذي يرجع إلى عصر الملك خوفو، أشهر ملوك الأسرة الرابعة نحو عام 2600 قبل الميلاد. وتظهر بقايا منشآت الميناء المقامة في الماء على شكل الحرف اللاتيني L بزاوية منفرجة، وتمتد شرقاً نحو 160 متراً ثم جنوباً 130 متراً بعرض يتراوح بين 8 و14 متراً على عمق لا يتجاوز مترين.
وقد صمم هذا البناء حاجزاً للأمواج والتيارات الشمالية، بما يوفر مساحة مائية آمنة لا تقل عن 5.67 هكتارات لرسو السفن. ويعزز اكتشاف 21 مرساة من الحجر الجيري تعود للأسرة الرابعة على بعد 120 متراً من الشاطئ الحالي مكانة الموقع كأقدم ميناء صناعي معروف عالمياً حتى الآن، ويثبت أن المصريين القدماء أسسوا شبكة اتصال استراتيجية بين ساحل البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء.
حطام سفينة تجارية في جزيرة سعدانة
على الساحل قرب سفاجا شمالاً، تحتضن جزيرة سعدانة حطام سفينة تجارية غارقة تعود إلى نحو عام 1760. وتبلغ طول السفينة حوالي 50 متراً، وكانت تحمل بضائع قدرت بنحو 900 طن شملت خزفاً صينياً نادراً من عهد أسرة تشينغ مخصصاً لأسواق الشرق الأوسط، وأنواعاً فاخرة من التوابل الهندية مثل الفلفل والهيل وجوزة الطيب، واللبان العماني، إضافة إلى جوز الهند والزيتون والبندق.
ورغم أن طراز بناء السفينة لا يشبه الطرز المعروفة لتلك الحققة، فإن محتوياتها المتنوعة أظهرت كثافة شبكات التجارة العالمية وحيوية الموانئ المصرية كحلقة وصل رئيسية بين الشرق والغرب.
الإسكندرية: عواصم الملوك تحت الماء
في الشمال، على شواطئ المتوسط، تتحول الآثار المغمورة من موانئ التجارة إلى قصور ملكية ومدن ابتلعتها المياه. وتزخر الإسكندرية بمواقع تعود للحقبتين البطلمية والرومانية، وفق المعطيات التي يتيحها القسم الخاص بالآثار الغارقة على الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار.
الميناء الشرقي والميناء الملكي
يمتد الميناء التاريخي بين رأس السلسلة شرقاً وقلعة قايتباي غرباً، بمساحة نحو 600 هكتار وعمق يتراوح بين مترين وثمانية أمتار. بدأت الاكتشافات فيه عام 1961 بجهود الغواص والباحث كامل حسين أبو السعادات، ثم بمسوحات بعثة المعهد الأوروبي للآثار الغارقة عام 1992. وأسفرت هذه الأعمال عن تحديد تخطيط الميناء الذي ضم عشرة موانئ رئيسية، والكشف عن جزيرة أنتيرودوس وشبه جزيرة التيمونيوم الغنيتين بالبقايا المعمارية والدينية.
قلعة قايتباي وبقايا الفنار العظيم
يقع هذا الموقع على عمق بين 6 و8 أمتار، ويحمل آثاراً ألقيت في مياه الميناء عام 1167 بأمر من السلطان صلاح الدين الأيوبي لإعاقة الغزو الصليبي القادم من قبرص. وانتشل من الموقع أكثر من 3000 قطعة أثرية معمارية بين أعمدة وتماثيل وتيجان، اختيرت 36 قطعة ضخمة منها لعرضها في ممر المسرح الروماني بكوم الدكة، إضافة إلى 7 تماثيل لأبي الهول وحطام ثلاث سفن تعود ما بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن السابع الميلادي.
موقع الشاطبي وخليج المعمورة
أعمال المعهد الهليني في موقع الشاطبي عام 1998 أسفرت عن بقايا يرجح أنها تخص معبد إيزيس أو قصر الملكة كليوباترا السابعة. أما خليج المعمورة، الذي امتد قديماً من حدائق المنتزه إلى أبو قير، فأفرزت المسوحات فيه عن حطام سفينة رومانية وميناء صغير ورصيف من العصر اليوناني الروماني ومحجر للحجر الجيري وأحواض تشير إلى مزارع سمكية.
أبو قير: المدن الغارقة وحطام أسطول نابليون
على مسافة 22 كيلومتراً شرق الإسكندرية، تعمل منذ عام 1996 بعثة المعهد الأوروبي للآثار التحت مائية برئاسة فرانك جوديو باستخدام المسح المغناطيسي والصوتي. ويضم الموقع قطاعين رئيسيين: حطام أسطول نابليون الذي يشمل بقايا 6 سفن من الحملة الفرنسية أبرزها سفينة القيادة الشرق وأورينت والسيريوز والجورييه، انتشلت منها أسلحة وذخائر وعملات ومعدات ملاحة، وموقعي المدينتين الغارقتين شرق كانوب على عمق 4 إلى 5 أمتار وهيراكليوم على عمق 5 إلى 7 أمتار، وغرقتا نتيجة تغيرات جيولوجية وزلزالية.
النيل: شريان نقل الحضارة
لم تقتصر الآثار الغارقة على البحار، بل وثقت الدراسات الأثرية مراسي سفن غارقة في مجرى النيل، الذي شكل عبر العصور شرياناً لوجستياً لنقل الأحجار الجرانيتية والرملية من محاجر أسوان وجبل السلسلة جنوباً إلى المعابد والمقابر شمالاً. ومن أبرز المواقع مرسى الأهالي الذي يرجح أنه المرسى الرئيسي لجزيرة إلفنتين، ومعدية النجع البحري الذي يعكس كثافة حركة النقل النهري الملكي.
لماذا تكتسب الآثار الغارقة المصرية أهمية دولية؟
تمثل هذه المواقع مادة خاماً للتعاون العلمي بين مصر ومعاهد أوروبية متخصصة مثل المعهد الأوروبي للآثار الغارقة والمعهد الهليني، في نموذج للشراكة الثقافية التي تتيح نقل الخبرة والتقنيات الحديثة إلى المؤسسات الأثرية الوطنية. كما تفتح هذه الاكتشافات آفاقاً لسياحة الغوص الأثري التي تشكل مصدر دخل محتملاً للاقتصاد المصري، وتعزز مكانة المتوسط والبحر الأحمر كمتاحف مفتوحة أمام الباحثين.
أسئلة شائعة
ما هو أقدم ميناء صناعي في العالم؟
هو ميناء وادي الجرف على ساحل البحر الأحمر في مصر، ويرجع إلى عصر الملك خوفو نحو عام 2600 قبل الميلاد.
أين تقع المدن الغارقة شرق كانوب وهيراكليوم؟
تقع في خليج أبو قير شرقي الإسكندرية على مسافة 22 كيلومتراً، على عمق يتراوح بين 4 و7 أمتار.
ما هي أبرز القطع التي انتشلت من موقع قلعة قايتباي؟
انتشل أكثر من 3000 قطعة معمارية و7 تماثيل لأبي الهول، إضافة إلى بقايا منار الإسكندرية القديم وحطام ثلاث سفن تعود بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن السابع الميلادي.
