أجلت الحكومة اللبنانية، في جلستها برئاسة الرئيس جوزاف عون، اتخاذ قرار بشأن إحالة ملف المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر والقصر إلى المجلس العدلي، في ظل انقسام سياسي وضغوط إقليمية متصاعدة. وجاء التأجيل تحت عنوان انتظار اكتمال التحقيقات القضائية والأمنية، لكنه لم يمنع انسحاب وزراء القوات اللبنانية احتجاجاً على عدم حسم الإحالة.
وأوضح تقرير نشرته صحيفة المدن أن الجلسة جرت في أجواء من التوتر السياسي والأمني، على وقاع استحقاقين ضاغطين: التصعيد العسكري الإقليمي في الجنوب وتعثر مفاوضات تامبا العسكرية بين لبنان وإسرائيل، واللغم الداخلي الذي فجّره ضبط شحنات متفجرات C4 وTNT في ضهر البيدر والقصر.
سلام يحوّل النقاش إلى مبدأ حصرية السلاح
وفي أبرز تدخل في الجلسة، قال رئيس الحكومة نواف سلام إن تخزين السلاح أو نقله من خارج الجهات التي لها حصرية شرعية القيام بذلك يشكل خطراً على السلامة العامة ويهدد أمن المواطنين.
إن تخزين السلاح أو نقله من خارج الجهات التي لها حصرية شرعية القيام بذلك، تحت أي ذريعة كانت، لا يشكل فقط خروجاً على هذه الثوابت والقوانين النافذة وقرارات مجلس الوزراء، بل يشكل خطراً على السلامة العامة، ويقتضي المتابعة الأمنية والملاحقة القضائية لإنزال أشد العقاب الذي تفرضه القوانين بحق المرتكبين.
ولم يحصر سلام كلامه في الشحنتين المصادرتين تحديداً، بل نقل النقاش إلى المبدأ الذي يحكم امتلاك السلاح وتخزينه خارج المؤسسات الشرعية، وهو موقف يلتقي مع المطالب الدولية بعودة حصرية السلاح إلى الدولة اللبنانية.
وساطة بري وخلوة عون وسلام
وسبقت الجلسة خلوة بين الرئيس عون ورئيس الحكومة سلام، تزامنت مع اتصالات مكثفة قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري لاحتواء أزمة حكومية كانت تتفاعل حول الإحالة إلى العدلي. وتحدثت توصلة عن أن بري اقترح تأجيل البت في الملف حتى انتهاء التحقيقات، وهو ما شكل أساس التسوية التي أفضت إليها الجلسة.
واعتبرت أوساط متابعة، بحسب ما نقلته النهار، أن التصويت الفوري على الإحالة كان سيضع الوزراء أمام اختبار انقسامي يصعب احتواء تداعياته، خصوصاً أن أي تصويت مفاجئ كان سيهدد مشاركة وزراء الثنائي الشيعي في الجلسة. وبذلك ضمنت الحكومة عدم الذهاب إلى مواجهة مباشرة، مقابل إبقاء الملف مفتوحاً على المسار القضائي.
انسحاب وزراء القوات وكشف حدود التسوية
غير أن التسوية لم تمر من دون كلفة سياسية. فقد انسحب وزراء القوات اللبنانية من الجلسة احتجاجاً على عدم إحالة الملف إلى المجلس العدلي، محولين المخرج الذي جنّب الحكومة مواجهة مع الثنائي الشيعي إلى سبب لاعتراض الفريق المطالب بحسم الإحالة.
وتكشف هذه المفارقة طبيعة المأزق الحكومي: التصويت على الإحالة كان سيهدد التهدئة مع حزب الله، فيما عدم التصويت أدى إلى اعتراض القوات. وفي الحالتين، أصبح الملف مرتبطاً بالخلاف السياسي الأعمق بشأن حصرية السلاح وحدود سلطة الدولة، وهو خلاف يتجاوز الإجراءات القضائية إلى جوهر النظام الجمهوري وسيادة المؤسسات.
تامبا والضغط الدولي المتصاعد
ويأجل ملف المتفجرات في توقيت شديد الحساسية إقليمياً. فقد انتهى اليوم الثاني من المحادثات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية في تامبا بولاية فلوريدا الأميركية من دون تحقيق اختراق ملموس، وسط استمرار الخلافات حول آلية التحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية ونزع السلاح وشروط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.
ويتزامن التعثر التفاوضي مع تصاعد المخاوف من مواجهة إقليمية أوسع على خلفية التحضيرات الأميركية والإسرائيلية لاحتمال توجيه ضربة إلى إيران، وما قد يترتب عليها من انعكاسات على الجبهة اللبنانية.
وفي موازاة ذلك، أعاد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن تنفيذ القرار 1559 تثبيت المطالب الدولية بنزع سلاح الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة، داعياً حزب الله إلى تسليم سلاحه وتفكيك بنيته التحتية. لكن التقرير حمّل إسرائيل أيضاً مسؤولية استمرار الانتهاكات، معتبراً سعيها إلى فرض منطقة أمنية بعمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية انتهاكاً للسيادة وعائقاً أمام انتشار الجيش.
الجنوب بين فراغ اليونيفيل والضغط الدبلوماسي
وعلى الخط الدبلوماسي، أكد الموقف القطري الفرنسي المشترك دعم تنفيذ الاتفاق الإطاري الثلاثي بالكامل، بما يشمل استعادة السيادة اللبنانية ونزع سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي. وحذّر البلدان، بحسب ما أوردته المدن، من أن انتهاء ولاية اليونيفيل قد يؤدي إلى فراغ أمني يهدد استقرار الجنوب والمنطقة، داعيين إلى دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته ومواكبة مسار إعادة الإعمار.
تأجيل المواجهة لا ينهي الأزمة
وفي المحصلة، نجحت الحكومة في تجنب التصويت، لكنها لم تمنع ظهور الانقسام السياسي. فشحنة المتفجرات باتت مرتبطة بالنقاش الأوسع بشأن السلاح والسلطة والسيادة، في ظل تحذيرات أميركية وتهديدات إسرائيلية وتعثر تفاوضي واضح.
ومع بقاء هواجس حزب الله حاضرة حيال إمكان تحول الملف إلى مسار قضائي يطال بنيته التنظيمية، يبقى التأجيل محدود المفاعيل. فالسؤال الذي تجنّب الوزراء التصويت عليه سيعود، عاجلاً أم آجلاً، إلى طاولة القرار الحكومي، وربما في ظروف أكثر تعقيداً إذا تصاعد التصعيد الإقليمي.
أسئلة شائعة
لماذا أجل مجلس الوزراء إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي؟
أرجأت الحكومة القرار بانتظار اكتمال التحقيقات القضائية والأمنية، وذلك لتفادي تصويت انقسامي كان سيهدد مشاركة وزراء الثنائي الشيعي في الحكومة.
ما هي المتفجرات المضبوطة موضوع الملف؟
شحنات من متفجرات C4 وTNT ضبطت في منطقتي ضهر البيدر والقصر، وأثارت تساؤلات حول الجهات التي تقف وراء تخزينها ونقلها.
ما علاقة مفاوضات تامبا بملف المتفجرات؟
تجري المفاوضات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية في فلوريدا وسط خلافات حول نزع السلاح والانسحاب، ما يجعل أي قرار داخلي بشأن سلاح حزب الله مرتبطاً بالمسار الإقليمي الأوسع.
