في مشهد يجمع بين الحركة التجارية والتبادل الثقافي، توثق لوحة “في سوق النحاسين” للفنان الإيطالي نيكولا فورشيلا (Nicola Forcella) جانبًا من الحياة اليومية في القاهرة أواخر القرن التاسع عشر. وتُظهر اللوحة، التي تُعرف بالفرنسية باسم “Dans le souk aux cuivres”، مجموعة من السيدات الأوروبيات وهن يتفحصن الأواني النحاسية داخل أحد أعرق أسواق القاهرة القديمة، وسط حضور لافت للتجار المحليين.
تفاصيل اللوحة: مشهد يجمع الثقافات داخل سوق واحد
تصوّر اللوحة، المنفذة بالألوان الزيتية على القماش (48 × 72.5 سم)، سيدات أوروبيات يرتدين فساتين وقبعات تعود لتلك الفترة، بينما يظهر التجار بالجلاليب والعمائم. وترصد اللوحة لحظة مساومة واختيار، حيث تحمل إحدى السيدات إناءً معدنيًا باهتمام، بينما يعرض بائع قطعة أخرى. وفي الخلفية، تتدلى المصابيح والأدوات المزخرفة، وتنعكس درجات اللون الذهبي على الأواني والأباريق، ما يعكس اهتمام الفنان بتفاصيل الصناعات المعدنية وزخارفها.
كيف نظر الأوروبيون إلى أسواق القاهرة؟
ارتبطت أسواق القاهرة القديمة باهتمام الرحالة والفنانين الأوروبيين، الذين وجدوا في الدكاكين والحرف التقليدية مادة خصبة للوصف والرسم. وتُبرز اللوحة هذه العلاقة، إذ تبدو السيدات منشغلات باختيار المنتجات، بينما يسعى التجار إلى عرض بضائعهم، ويظهر شخص محلي بصفته وسيطًا بين الباعة والزائرات. وتشير الباحثة مرسيدس فولايت، في دراستها عن تجارة التحف وإعادة استخدامها في القاهرة ودمشق خلال العصر العثماني المتأخر، إلى أن الفنان قدم المشهد بروح ساخرة، موضحًا أن السياح “يبدون غرباء عن المكان”، وأن الصورة توحي بأنهم “على وشك شراء بضائع بأسعار مرتفعة”. وتضع الباحثة العمل في سياق أوسع يتعلق بتجارة التحف والمنتجات التقليدية التي كانت تُعرض على الزائرين الأجانب باعتبارها جزءًا من جاذبية الأسواق الشرقية.
من هو الفنان نيكولا فورشيلا؟
نيكولا فورشيلا فنان إيطالي ارتبط اسمه بالمدرسة الاستشراقية، ووصل إلى مصر في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، حيث أقام مرسمًا في القاهرة واهتم بتصوير الحياة المصرية. وعمل بالتدريس في مدرسة الفنون الخديوية، وحصل على وسام المجيدية العثماني. ومن أعماله الأخرى لوحة تصور أحد الأسواق في منطقة باب الشعرية، وتحمل تاريخ 18 مارس 1892، وتؤكد اهتمامه بتفاصيل الحياة اليومية.
لوحة سوق النحاسين في المزادات العالمية
ظهرت اللوحة ضمن مزاد للأعمال الاستشراقية نظمته دار سوذبيز في باريس يوم 24 أكتوبر 2007، وحملت الرقم 26 ضمن الأعمال المعروضة. وكانت الصحيفة الاقتصادية الفرنسية “لا تريبيون” قد أشارت قبل المزاد إلى عرض اللوحة بتقدير مالي يبلغ 35 ألف يورو، وهو تقدير سابق للمزاد وليس توثيقًا لسعر البيع النهائي. وتُظهر هذه المزادات الاهتمام المستمر للفن الأوروبي باللوحات الاستشراقية، وبمشاهد الأسواق الشرقية التي تبقى شاهدًا على التبادل الثقافي والتجاري بين الشرق والغرب.
