كشف تقرير نشرته صحيفة النهار العربي اللندنية بتاريخ 4 تشرين الثاني 2026 أن التدخين ليس مجرد عادة جسدية، بل سلوك نفسي معقد تتغذى عليه الضغوط اليومية والجروح المبكرة، وأن التحذيرات المكتوبة على علب السجائر فقدت جدواها بالكامل في ردع المدخنين، لا سيما المراهقين.
التقرير، الذي استند إلى مراجعات علمية دولية من بينها مراجعات Cochrane الطبية، يسقط الوهم الشائع بأن السيجارة تخفف التوتر، ويثبت أن العكس هو الصحيح: التحرر التام من النيكوتين هو وحده ما يرمم المزاج ويحسنه على المدى الطويل.
السيجارة كعلاج ذاتي وحلقة مفرغة
يوضح الاختصاصي النفسي جوي عيسى، في حديث نقلته النهار العربي اللندنية، أن العلاقة بين التدخين والصحة النفسية تشبه شبكة متشابكة لا تسير في اتجاه واحد. فعند مواجهة موجات القلق أو الاكتئاب أو مشاعر الوحدة وضغوط الحياة، يجد الشخص نفسه تلقائياً يبحث عن السيجارة.
هنا يبرز مصطلح التداوي الذاتي أو ما يعرف بـ Self-medication، إذ يستخدم كثيرون التدخين كأداة سريعة لتسكين الغضب أو الهروب من الأفكار المزعجة أو ملء فراغ عاطفي مفاجئ.
لكن المفارقة المؤلمة، بحسب عيسى، أن السيجارة التي تشعل لتهدئة التوتر هي نفسها التي تغذيه على المدى الطويل، لأن التقلبات المستمرة لمستويات النيكوتين في الجسم وأعراض الانسحاب المتكررة تخلق عبئاً جديداً، ما يدخل المدخن في حلقة مفرغة: يدخن ليتخلص من الإجهاد الذي سببه انخفاض النيكوتين في الأساس.
وهو ما يفسر لماذا تفشل مقاربة الإرادة وحدها، ولماذا يشير أطباء نفسيون إلى أن مواجهة الضغوط والتعافي من آثارها تتطلب مهارات نفسية حقيقية لا عكازاً وهمياً.
صدمات الماضي وبحث الإنسان عن مهرب
يشدد عيسى على الدور المحوري الذي تلعبه الخبرات المبكرة وجروح الطفولة في تشكيل طريقة تعامل الفرد مع مشاعره لاحقاً. فالأشخاص الذين مروا بتجارب قاسية، أو تعرضوا لإساءة نفسية أو جسدية، أو نشأوا في بيئات منزلية تفتقر إلى الأمان والاستقرار العاطفي، تتأثر قدرتهم على تنظيم انفعالاتهم وبناء شعور داخلي بالاطمئنان.
نتيجة ذلك، قد يلجأ البعض في مراحل متقدمة من العمر إلى سلوكيات معينة وفي مقدمتها التدخين، كمحاولة لا واعية لتهدئة الصراعات الداخلية أو التخفيف من وطأة الذكريات الثقيلة.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في لبنان، حيث تفاقمت الضغوط النفسية والاجتماعية في سنوات الأزمة، وتراجعت القدرة على الوصول إلى خدمات الصحة النفسية المتخصصة، فيما تربط منصات مثل أموالي بين أضرار التدخين المالية والصحية وبين انهيار القدرة الشرائية للأسر، ما يجعل كلفة العادة مضاعفة على اللبنانيين.
فخ الارتباط الشرطي: كيف يتحول التدخين إلى سلوك أوتوماتيكي؟
حول الكيفية التي يتجاوز بها التدخين حدود القرار الواعي، يستند عيسى إلى مفهوم الارتباط الشرطي أو Classical Conditioning، وهو من المفاهيم الأساسية في علم النفس الغربي منذ تجارب بافلوف.
فالدماغ البشري يعتاد ربط التدخين بأنشطة يومية كاحتساء القهوة أو العمل أو القيادة، لتتحول هذه المواقف إلى محفزات تستثار معها الرغبة في التدخين تلقائياً. ومع التكرار، يتبرمج الدماغ على تنفيذ العادة أوتوماتيكياً، ما يجعل الإقلاع يتطلب إعادة هيكلة الروتين اليومي وقطع هذه الارتباطات، لا الاعتماد فقط على الإرادة.
المراهقة تحت الإنشاء: لماذا يدمن المراهق أسرع؟
يصل النيكوتين سريعاً إلى نظام المكافأة في الدماغ محفزاً تدفق الدوبامين، ما يجعل المراهق يدمن أسرع من الكبار، فتصبح محاولات الإقلاع مستقبلاً شاقة للغاية، فضلاً عن تأثيره السلبي على المزاج والانتباه.
وتظهر الأبحاث، ومنها مراجعات Cochrane، أن الإقلاع عن التدخين يحسن من الاضطرابات النفسية بفضل استقرار الدماغ واستعادة السيطرة الذاتية. لكن التقرير يحذر من أن الإقلاع ليس علاجاً بديلاً للاكتئاب السريري، إذ يستدعي خطة علاجية متخصصة بالتوازي مع الإقلاع، وهو تمييز مهم تعجز عنه الحملات التوعوية التقليدية.
المقاربة التكاملية: ما الذي توصي به الهيئات الصحية؟
يخلص التقرير إلى أن نجاح الإقلاع لا يقتصر على التوقف الجسدي عن التدخين، بل يتطلب فهم الوظيفة النفسية للسيجارة، فيما توصي الهيئات الصحية بمقاربة تكاملية تشمل ثلاثة مسارات متوازية:
- الجانب الجسدي عبر بدائل النيكوتين لتخفيف الأعراض الانسحابية.
- الجانب السلوكي عبر العلاج المعرفي السلوكي المعروف بـ CBT لإدارة المحفزات والأعباء.
- الجانب الإنساني عبر معالجة الرواسب النفسية والجروح المبكرة.
وبذلك يتحول الإقلاع من مجرد قرار بالتوقف إلى محطة لاستعادة التوازن وجودة الحياة.
وتبقى الذريعة الشائعة عند كل أزمة، أنا غاضب، هي نفسها التي تحول التدخين في الأذهان إلى مهدئ وهمي، متجاهلة أنه في جوهره ليس مهدئاً للغضب، بل وقوده الصامت على المدى الطويل.
أسئلة شائعة
هل يخفف التدخين التوتر فعلاً؟
لا، بحسب مراجعات Cochrane الطبية. الشعور بالراحة بعد السيجارة هو مجرد تخفيف مؤقت لأعراض انسحاب النيكوتين التي سببها التدخين نفسه، والإقلاع التام هو ما يحسن المزاج على المدى الطويل.
لماذا يفشل الإقلاع بالاعتماد على الإرادة وحدها؟
لأن التدخين يتحول عبر الارتباط الشرطي إلى سلوك أوتوماتيكي مرتبط بمواقف يومية كالقهوة والقيادة، ما يستلزم إعادة هيكلة الروتين وقطع هذه الارتباطات بمساعدة علاج سلوكي.
هل يدمن المراهقون أسرع من الكبار؟
نعم، لأن نظام المكافأة في دماغ المراهق يستجيب بقوة أكبر لتدفق الدوبامين الذي يحدثه النيكوتين، ما يجعل الإقلاع مستقبلاً أكثر صعوبة.
هل يكفي الإقلاع عن التدخين لعلاج الاكتئاب؟
لا، الإقلاع يحسن الاضطرابات النفسية لكنه ليس بديلاً عن خطة علاجية متخصصة للاكتئاب السريري، بل يجب أن يسير بالتوازي معها.
