كشف تقرير نشرته صحيفة الجمهورية يوم 6 تشرين الثاني 2026 أنّ اجتماعاً يعقد في باريس بين ممثلي مصرف لبنان والمصارف اللبنانية، برعاية مجموعة روتشيلد المستشار المالي للمصرف المركزي، للبحث في معالجة الأزمة المالية وتصنيف الودائع تمهيداً لعرضها على صندوق النقد الدولي.
ويعقد هذا الاجتماع في ظلّ غياب أي إجابة رسمية عن سؤال جوهري يطرحه المودعون: أين ذهبت أموالهم المحتجزة منذ عام 2019، وما الذي تبقّى فعلياً في دفاتر كل مصرف على حدة؟
ما الذي جرى منذ 2019؟
يذكّر التقرير بأنّ المصارف اللبنانية احتجزت أموال المودعين منذ عام 2019 وحتى اليوم، بمباركة مصرف لبنان، وتدّعي اليوم أنّها غير قادرة على إعادتها بحجّة أنّ المصرف المركزي أخذها. ويطالب كاتب التقرير بفتح دفاتر المصارف أمام تدقيق شامل يحدّد ما أخذه مصرف لبنان من كل مؤسسة، وبأي قانون، وما الذي تبقّى لديها.
ويشدّد على أنّ من حق المودعين المطالبة بما تبقّى من أموالهم لدى المصارف في تاريخ الانهيار، مع فوائدها، وأنّه لا مبرّر لبقاء هذه الأموال محتجزة. أمّا مصرف لبنان، فيجب أن يعيد ما أخذه من أموال المودعين مع فوائدها، عن طريق بيع الذهب، وإذا لم تكفِ حصيلته، بيع أراضٍ وأصول أخرى، ومنها أراضي سكك الحديد البحرية التي لا مبرّر لبقائها في عهدة الدولة.
اجتماع باريس: من يقرّر مصير أموال المودعين؟
يشير التقرير إلى مفارقة لافتة: الجهات التي تتحمّل مسؤولية مصير الودائع هي نفسها التي تجتمع اليوم لتقرّر في ما بينها ما الذي ينبغي إعادته إلى أصحابه، وكيفية تقسيم الودائع وتصنيفها، وما الأرقام التي ستقدَّم إلى صندوق النقد الدولي. ويعتبر الكاتب أنّ هذا المشهد لم يشهده العالم في أي تجربة مالية مماثلة.
ويهدف الاجتماع، بحسب التقرير، إلى توحيد الأرقام وتصنيف الودائع بين نظامية وغير نظامية، وتحديد ما يمكن إعادته إلى المودعين. لكن الكاتب يرى في هذا التصنيف تضييعاً للوقت وخلطاً للأوراق لن يؤدّي إلى إعادة الحقوق إلى أصحابها، معتبراً أنّ مصرف لبنان يبحث عن ذرائع لعدم إعادة الكثير من الودائع بما يسهّل على المصارف الاستيلاء عليها.
جدل الودائع النظامية وغير النظامية
يرفض التقرير مفهوم الودائع النظامية، متسائلاً عن أي ممارسة كانت نظامية في ما اعتمدته المصارف على مدى سنوات. ويطرح أسئلة حول مصادر ثروات أصحاب المصارف ونموّها، ودعا إلى تدقيق شامل في الأموال التي حُوّلت إلى الخارج بعد 17 تشرين الأول 2019، وفي التحويلات التي استفاد منها أصحاب المصارف وكبار المساهمين والإدارات المصرفية.
كما ينتقد اختزال النقاش في تصنيف الودائع، متجاهلاً الودائع التي اشتُريت بنحو 15% من قيمتها، والأموال التي خسرها الصناعيون في أسواقهم نتيجة انهيار سعر الصرف، والتعويضات التي فقدت معظم قيمتها. ويوضح أنّه حتى لو كانت هناك ودائع ناتجة من أموال مسروقة أو غير مشروعة، فلا يجوز أن تبقى في المصارف، بل يجب إعادتها إلى أصحابها أينما كانوا.
ضغوط متبادلة بين الدولة والمصارف
التقرير يأتي في سياق توتّر مستمر بين الدولة والمصارف. فقد أفادت اتحاد المصارف العربية بأنّ المصارف تعترض على المعالجة الضريبية لخسائر اليوروبوندز، في مرحلة يفترض أن تتجه فيها الجهود إلى إعادة تنظيم القطاع واستعادة قدرة المصارف على المساهمة في تسديد الودائع.
كما نقلت صيدا أون لاين تحذيرات من أنّ تحميل المصارف والمودعين الأعباء وفق تسلسل قانوني محدد، من دون إعادة بناء رساميل المؤسسات القادرة على الاستمرار، قد يؤدي إلى إضعاف القطاع المصرفي بدلاً من إعادة تأهيله، مشددة على أنّ المطلوب ليس فقط تحديد من يتحمّل الخسائر، بل ضمان قيام قطاع مصرفي قادر على استعادة دوره في تمويل الاقتصاد.
وفي سياق متصل، أشار تقرير على المرصد أون لاين إلى تصريحات لصاحب مصرف بلوم حول مستقبل القطاع المصرفي، تعكس عمق الانقسام حول مسؤولية كل طرف في الأزمة.
أسئلة الثقة أمام صندوق النقد الدولي
يختتم التقرير بسؤال واحد يطرحه على المسؤولين: هل يصدّقون فعلاً أنّ ما يقومون به اليوم سيعيد ثقة الناس بلبنان، ويدفعهم إلى إيداع أموالهم فيه واستثمارها؟ ويجيب الكاتب بنفسه: بحسب ما يتصرّفون، فإنّهم يدمّرون القطاع المصرفي لحساب أصحاب المصارف.
ويطالب الحكومة، إذا كانت تسعى فعلاً إلى إعادة الثقة بلبنان وقطاعه المصرفي، بأن تفرض على جميع الأطراف إعادة أموال المودعين، وأن تقوم بذلك تحت مظلة الشفافية المطلقة، بدلاً من تضييع الوقت في التصنيفات التي لا تعيد الحقوق إلى أصحابها.
يبقى ملف الودائع المحتجزة الاختبار الحاسم لأي مسار إصلاحي، وأي معالجة تتجاهل حقوق المودعين والشفافية الكاملة ستفشل في استعادة الثقة الداخلية والدولية التي يحتاجها لبنان للخروج من أزمته المالية.
أسئلة شائعة
ما هو الغرض من اجتماع باريس بين مصرف لبنان والمصارف؟
يهدف الاجتماع، برعاية مجموعة روتشيلد، إلى توحيد الأرقام وتصنيف الودائع بين نظامية وغير نظامية وتحديد ما يمكن إعادته إلى المودعين، تمهيداً لعرض الصيغ المطروحة على صندوق النقد الدولي.
من يتحمّل مسؤولية احتجاز ودائع المودعين منذ 2019؟
بحسب تقرير الجمهورية، تتحمّل المصارف ومصرف لبنان والحكومة مسؤولية مصير الأموال المحتجزة، إذ احتجزت المصارف أموال المودعين بمباركة المصرف المركزي.
كيف يمكن إعادة أموال المودعين بحسب التقرير؟
عبر إعادة المصارف فوراً ما تبقّى لديها من الودائع مع فوائدها، وإعادة مصرف لبنان ما أخذه عبر بيع الذهب والأراضي والأصول الأخرى.
