قسد بين الواجهة القيادية ومراكز النفوذ الخفية
بعد سيطرة الجيش السوري على مدينتي الرقة ودير الزور، دخلت مناطق شمال شرقي سوريا مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ، حيث لم تعد التحولات الميدانية منفصلة عن المسارات السياسية. فالتقدم العسكري عكس تحولاً في مقاربة الدولة لملف هذه المناطق، بعد فترة من التعويل على التفاهمات والاتفاقات.
جاء هذا التحول في سياق تعثر تنفيذ اتفاق 10 مارس بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسط اتهامات متبادلة بالمماطلة وعدم الالتزام. وتشير تقارير سياسية وإعلامية إلى أن ذلك كان نتاج خلاف وانقسامات داخل قسد، حيث برزت أجنحة تملك تأثيراً فعلياً في القرار، وترتبط بأجندات خارجية.
هيكل القرار المعقد داخل قسد
تكشف بنية قوات سوريا الديمقراطية أن القرار الفعلي لا يُصاغ داخل أطرها المعلنة، بل يتجاوزها إلى وحدات حماية الشعب، التي تُعد المكون العسكري الأكثر نفوذاً داخل قسد، والمرتبطة تنظيمياً وفكرياً بحزب العمال الكردستاني.
ويمتد هذا الارتباط إلى الفضاء الرمزي والمؤسسي، حيث تحضر صور عبد الله أوجلان زعيم الحزب في مقرات ومؤسسات الإدارة الذاتية، وتُدرَّس أفكاره ضمن المناهج التعليمية، بما يعكس هيمنة أيديولوجية تتجاوز الادعاء بالاستقلال المحلي.
أعادت الأحداث الأخيرة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب تسليط الضوء على هذه الحقيقة، إذ أظهرت أن قرار التصعيد لم يكن نتاج حسابات محلية، بل جاء استجابة لتوجيهات خارجية، ما عزز فرضية أن حزب العمال الكردستاني هو صاحب الكلمة النهائية داخل منظومة قسد.
دور مظلوم عبدي المحدود
رغم حضوره الإعلامي وتقديمه بوصفه القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، تكشف الوقائع السياسية والميدانية أن مظلوم عبدي لا يمتلك القرار النهائي داخلها، بل يتحرك ضمن هامش ضيق تفرضه عليه البنية التنظيمية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
برز هذا الواقع بوضوح منذ توقيع عبدي اتفاق 10 مارس مع الرئيس السوري أحمد الشرع، إذ لم يُحرز الاتفاق أي تقدم يُذكر رغم مرور نحو عام على توقيعه في ظل مماطلة متكررة من جانب قسد.
في 18 يناير الجاري، أعلنت الرئاسة السورية توقيع اتفاق جديد مع قسد برعاية المبعوث الأمريكي توم براك، تضمّن بنوداً جوهرية، أبرزها انضمام ما تبقى من هذه القوات كأفراد إلى مؤسسات الدولة. هذا الاتفاق وقّع عليه مظلوم عبدي عن بُعد، وسط تبرير رسمي بعدم حضوره بسبب سوء الأحوال الجوية.
الحسكة: آخر المعاقل
تُمثّل محافظة الحسكة اليوم آخر معاقل قوات سوريا الديمقراطية وأكثرها حساسية في الحسابات الكردية، ليس فقط بوصفها مساحة جغرافية، بل باعتبارها مركز ثقلها السياسي والعسكري والإداري.
أوضحت الرئاسة السورية، في بيان نشرته وكالة سانا، أنه جرى الاتفاق على منح قسد مهلة 4 أيام للتشاور الداخلي، بهدف إعداد خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً. وبحسب البيان، فإنه في حال التوصل إلى اتفاق نهائي، لن تدخل القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي.
تراجع الدعم الأمريكي
شكّلت واشنطن على مدى سنوات الداعم الدولي الأبرز لقسد، في إطار شراكة قامت أساساً على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن التقدم السريع الذي حققه الجيش السوري أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل هذه العلاقة.
قال المبعوث الأمريكي توم براك إن "أعظم فرصة متاحة حالياً للأكراد تأتي في ظل الحكومة الحالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع". واعتبر أن هذه اللحظة تفتح مساراً حقيقياً أمامهم للاندماج الكامل ضمن دولة سورية موحدة.
أكد براك أن "الغرض الأصلي لقسد كقوة رئيسية لمكافحة التنظيم قد انتهى"، لافتاً إلى أن دمشق باتت اليوم مستعدة ومؤهلة لتولي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك السيطرة على مراكز احتجاز عناصر التنظيم.
يرى مراقبون أن واشنطن لم تعد تنظر إلى قسد كشريك ضروري، بل كإشكالية أمنية وسياسية تسعى إلى معالجتها ضمن مقاربة جديدة، تقوم على دعم الدولة السورية في بسط سيادتها، والتعامل معها كقوة فقدت وظيفتها الأساسية في ظل التحولات الجارية على الأرض.