الاستثمار في الموارد البشرية: نموذج مصري للتنمية المؤسسية
في خطوة تعكس رؤية استراتيجية متقدمة، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في الأكاديمية العسكرية المصرية على أهمية وضع "الاستثمار في البشر" في صدارة أولويات الدولة الحديثة. هذا التوجه يمثل نموذجاً يستحق الدراسة في المنطقة العربية، خاصة في ظل التحديات التنموية المعاصرة.
فلسفة التنمية البشرية كأساس للدولة
شدد الرئيس المصري على أن المعركة الحقيقية لبناء الدولة لا تعتمد فقط على الموارد المادية، بل على العقل والضمير والقدرة على البناء. هذا المفهوم يتماشى مع النظريات التنموية الحديثة التي تركز على رأس المال البشري كمحرك أساسي للنمو الاقتصادي والاجتماعي.
وأوضح أن مسؤولية الدولة تتجاوز توفير الحاجات الأساسية لتشمل بناء الإنسان الشامل من خلال القيم والتعليم والمعرفة. هذا النهج يعكس فهماً عميقاً لمتطلبات التنمية المستدامة في القرن الحادي والعشرين.
الأكاديمية العسكرية كنموذج للتطوير المؤسسي
تقدم الأكاديمية العسكرية المصرية نموذجاً عملياً لفلسفة الاستثمار في البشر، حيث تتجاوز مهمتها إعداد الكوادر العسكرية لتشمل وضع برنامج شامل للتطوير والتحديث في مختلف مؤسسات الدولة.
ما يميز هذا النموذج هو التركيز على معايير الجدارة والكفاءة بدلاً من العلاقات الشخصية، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في العقل الإداري. هذا التوجه يهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص وإرساء عدالة حقيقية في التوظيف والترقيات.
التكامل بين القطاعين العسكري والمدني
من الجوانب اللافتة في هذا المشروع انفتاح الأكاديمية على إعداد كوادر للعمل في المؤسسات المدنية، من وزارات الري والمالية والنقل والخارجية، وصولاً إلى المعلمين والقضاة. هذا الدمج يؤكد أن الدولة تتعامل مع بناء الإنسان كمشروع وطني شامل.
ويعكس ترك الجوانب الفنية للوزارات المختصة، مع التزام الأكاديمية بتوفير المعايير ومسار التدريب، فهماً مؤسسياً متقدماً يقوم على التكامل والتخصص.
التعليم كركيزة أساسية
أكد الرئيس المصري أن "بدون تعليم جيد لن نحقق أهدافنا"، مشدداً على أن المسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع. هذا الطرح يكشف عن رؤية شاملة تتجاوز الاعتماد على الدولة وحدها.
كما أشار إلى التوسع في إنشاء كليات جديدة بالأكاديمية والتطلع إلى التوأمة مع الجامعات العالمية, وهو ما يعكس طموحاً لإدماج المؤسسات التعليمية في منظومة التعليم المتقدم عالمياً.
دروس للمنطقة العربية
يقدم هذا النموذج المصري دروساً مهمة للدول العربية في مجال التنمية المؤسسية والاستثمار في الموارد البشرية. فالتركيز على الجدارة والكفاءة، وتطوير نظم التقييم الموضوعية، وربط التعليم بمتطلبات سوق العمل، كلها عناصر حيوية لبناء دولة حديثة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
في زمن تتعاظم فيه التحديات الإقليمية والعالمية، تبدو هذه الرؤية ضرورية لضمان بقاء الدول قوية ومتماسكة وقادرة على التقدم بثبات نحو المستقبل.