فنزويلا: من صفقة ترامب المؤجلة إلى استراتيجية الهيمنة الأميركية
تكشف الوثائق والتطورات الأخيرة حول المفاوضات الأميركية الفنزويلية كيف تحولت واشنطن من منطق الصفقات إلى استراتيجية الهيمنة المباشرة في أميركا اللاتينية، مما يعكس تطورًا جوهريًا في النهج الأميركي تجاه المنطقة.
صفقة غرينيل: فرصة ضائعة أم تأجيل مقصود؟
في أواخر عام 2019 وبدايات 2020، قاد ريتشارد غرينيل، السفير الأميركي السابق لدى ألمانيا والقائم بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية، قناة تفاوض سرية مع كراكاس. العرض الأميركي كان واضحًا ومحددًا: فتح القطاع النفطي الفنزويلي أمام الشركات الأميركية بعقود طويلة الأمد تقدر بمئات مليارات الدولارات، وتحويل مسار الصادرات النفطية من الصين إلى الولايات المتحدة.
المفاجأة أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لم يرفض العرض، بل أبدى استعدادًا للتنازلات معتبرًا الصفقة مخرجًا من الحصار الاقتصادي الخانق. كان مادورو مستعدًا للبقاء في الحكم ولو ضمن شروط أميركية قاسية.
عام 2020: التوقيت القاتل
لم يكن ترامب رافضًا للصفقة من حيث المبدأ، لكن السياق السياسي في عام 2020 حال دون إتمامها. جائحة كورونا والمعركة الانتخابية الحادة والاضطرابات الداخلية حولت أي صفقة خارجية كبرى إلى عبء انتخابي محتمل.
كان أي تفاهم مع مادورو سيستخدم ضد ترامب بوصفه "تطبيعًا مع ديكتاتور" و"بيعًا للقيم مقابل النفط". لذلك أجل ترامب الصفقة قسرًا، خوفًا من توظيفها انتخابيًا في معركة وجودية على الرئاسة.
تحول جذري: من الصفقات إلى الهيمنة
بين عامي 2020 و2025، تغير ترامب نفسه. ما كان مقبولًا في نهاية ولايته الأولى بوصفه صفقة ممكنة ومؤجلة، أصبح في ولايته الثانية مرفوضًا بالكامل. ترامب الأول كان رجل صفقات يفاوض ويساوم، أما ترامب الثاني فهو رجل هيمنة لا يقبل أنصاف الحلول.
الأهم أن الصراع مع الصين بات العنوان المركزي. لم يعد الهدف منافسة اقتصادية، بل منع بكين من التحول إلى القوة الاقتصادية الأولى في العالم. ضمن هذا الإطار، عادت أميركا اللاتينية إلى الواجهة كـ"حديقة خلفية" يجب إحكام السيطرة عليها.
المكالمة الأخيرة: نهاية الأوهام
جاءت المكالمة بين ترامب ومادورو في 21 نوفمبر 2025 لتحسم المسار نهائيًا. وصف مادورو المكالمة بأنها "إيجابية ودية ومحترمة" ورأى فيها فرصة لإحياء المسار التفاوضي.
لكن ما اعتبره مادورو نافذة، كان بالنسبة لترامب لحظة حسم. لم يعد يريد نفطًا أو عقودًا أو تفاهمات انتقالية، بل بات يريد فنزويلا بأكملها ورحيل مادورو إلى الأبد.
دروس للمنطقة العربية
التجربة الفنزويلية تؤكد أن واشنطن لا تفاوض للوصول إلى اتفاق، بل لتحديد اللحظة التي تنتقل فيها من لغة الصفقات إلى منطق الفرض. وحين تغلق مرحلة التفاوض، لا يعاد فتحها، بل يستبدل بها مسار آخر: الهيمنة أو الصدام.
هذا التحول في النهج الأميركي يحمل دروسًا مهمة للمنطقة العربية والشرق الأوسط، حيث تتزايد التوترات الجيوسياسية وتتعقد المعادلات الإقليمية في ظل التنافس الدولي المتصاعد.