أيقونات القرآن في عصر المنصات الرقمية: هل تحافظ الإذاعة على مكانتها؟
في عصر تهيمن فيه المنصات الرقمية على المشهد الإعلامي، يطرح السؤال حول مستقبل الإذاعة التقليدية ودورها في نشر التلاوات القرآنية، خاصة خلال شهر رمضان المبارك. فبينما تحتفظ أصوات عمالقة التلاوة بمكانتها الراسخة، تشهد المنصات الرقمية انتشاراً واسعاً لجيل جديد من القراء.
الإذاعة: ذاكرة جماعية وتراث عريق
يؤكد الشيخ محمد صالح حشاد، نقيب القراء ورئيس اللجنة العليا للقرآن بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن "الإذاعة ستظل الملاذ الأول لمحبي الاستماع إلى القرآن الكريم، وخاصة في رمضان". ويضيف أن أصوات عمالقة التلاوة مثل الشيخ محمد رفعت ومصطفى إسماعيل والحصري والبنا وعبدالصمد، "تجمع الناس والقلوب وتقرأ وكأنها أحياء بيننا".
ويشير حشاد إلى أن هؤلاء المشايخ بنوا نجوميتهم على أسس علمية راسخة، حيث وصلوا إلى أعلى الدرجات في علم القراءات والتجويد والتفسير، مما يجعلهم مراجع أساسية في التلاوة الصحيحة.
المنصات الرقمية: انتشار واسع وتأثير متزايد
من جهة أخرى، يلاحظ الخبير الإعلامي الدكتور ياسر عبد العزيز أن وسائل التواصل الاجتماعي "تتمتع بقدرات تأثيرية عالية عبر طاقتها واسعة الانتشار". ويوضح أن هذه المنصات تستطيع من خلال خوارزمياتها أن تروج لأي نجم، بل وتصنع نجماً جديداً.
تقول شروق عبدالسميع، 13 عاماً: "أحب الاستماع إلى مشاري راشد، وقد استطعت من خلاله حفظ سورتي البقرة والكهف، لأن صوته سهل بالنسبة لي، وأستطيع أن أسمعه من خلال الموبايل".
رؤية متوازنة للمستقبل
يرى الدكتور عصام الصيفي، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف، أن انتقال القراء من الإذاعة إلى المنصات الرقمية هو "تطور العصر". ويؤكد أن هذا لا يعني سحب البساط من الإذاعة، بل ستظل تحتفظ بجمهورها، خاصة في رمضان.
ويشدد الصيفي على ضرورة التوازن بين الجديد والقديم، مضيفاً أن "الأمر توازن بين الجديد والقديم، لا يلغي أي منهما الآخر". كما يدعو الإذاعة إلى التطوير من نفسها لتلحق بالسوق المفتوح للإعلام الرقمي.
التحديات والفرص
رغم الانتشار الواسع للمنصات الرقمية، يحذر حشاد من أن الشهرة المؤقتة على وسائل التواصل الاجتماعي لن تصنع نجوماً مثل رفعت والحصري. ويؤكد أن الفرق يكمن في العمق العلمي والتمكن من أحكام التجويد والقراءات.
من ناحية أخرى، يشير علي عيسى، 26 عاماً، إلى أن "من يريد إتقان حفظ القرآن فعليه بالاستماع إلى مشاهير الشيوخ"، مؤكداً أن هؤلاء سيظلون نجوم سماء التلاوة مهما توالت الأجيال.
في النهاية، يبدو أن المستقبل يحمل مساحة للتعايش بين التراث الإذاعي العريق والابتكارات الرقمية الحديثة، شريطة المحافظة على المعايير العلمية والفنية الراقية في فن التلاوة.