الترحال السياسي عشية الاستحقاقات: أزمة ديمقراطية أم ميركاتو؟
يتصاعد الترحال السياسي، أو ما يُعرف بـ"الميركاتو الانتخابي"، مع اقتراب كل محطة استحقاقية. الظاهرة تبرز هشاشة الالتزام البرامجي وتغليب الحسابات الانتخابية الشخصية على حساب بناء مؤسسات ديمقراطية راسخة، مما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الانتماء الحزبي في ظل غياب الديمقراطية الداخلية.
هل يعكس الترحال الحزبي تطورا في القناعات أم بحثا عن مواقع آمنة؟
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، تبدأ الخريطة الحزبية في إعادة تشكيل ألوانها. تتبدل الانتماءات السياسية من ثوابت مستقرة إلى خيارات قابلة للتغيير، حيث يقبل سياسيون اعتادوا الظهور تحت يافطة حزب معين على تغيير انتمائهم وشعارهم في مشهد يتكرر مع كل موسم انتخابي. يظل السؤال مفتوحا: هل يتعلق الأمر بتحول حقيقي في القناعات، أم بإعادة تموضع تحكمه المصلحة الشخصية؟
الميركاتو الانتخابي وأزمة تخليق الحياة السياسية
يعتبر سمير الشحواطي، أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بتطوان، أن الترحال السياسي يمثل نقيصة من أبرز عوائق تخليق الحياة السياسية. أورد الأكاديمي في تصريح لجريدة هسبريس أن المشرع المغربي تصدى للظاهرة عبر القوانين، بدءا بالتغريم بموجب القانون التنظيمي رقم 36.04 لسنة 2006، وصولا إلى التجريد من العضوية الانتدابية مع التعديل الدستوري لسنة 2011. إلا أن المقاربة القانونية تبقى قاصرة في ظل استفحال مقومات الترحال، حيث يعمد الرحل إلى تغيير الانتماء على مشارف نهاية الولاية بقصد الترشيح بألوان سياسية أخرى.
يوضح الشحواطي أن حركية الترحال تتزامن دائما مع الاستعداد للمحطة الاستحقاقية، معتبرا إياها نتيجة لمخرجات صراع المصالح والتزكيات في دهاليز الأحزاب. لا يمكن ربط هذا الترحال بتغير القناعات أو بمسائل تنظيمية تهم الديمقراطية الداخلية، وإلا فما الحاجة للتنقل بين حزب ونسخته ذات الأفكار والممارسات؟ هذا الواقع يفسر انتعاش "الميركاتو الانتخابي" عشية كل موسم انتخابي، حيث لا يطفو عيب الهجرة الحزبية إلا مع فترة تدبير الترشيحات.
يسجل المحلل أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الأحزاب المستقبلة، مشيرا إلى تراجع الرهان على مناضلات ومناضلي الأحزاب مقابل تنامي وتغول الرهان على "الوافد الواجد" أو "مول الشكارة". هذا يشي بأن تلك الأحزاب لا تهمها سوى البحث عن الكراسي وحسابات ما بعد الانتخابات، وطغيان المقاربة العددية على المقاربة السياسية والمبادئ الديمقراطية.
ضعف المرجعية الإيديولوجية وتأثيره على الانتماء
من جهته، يرجع أحمد درداري، رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات، ظاهرة الترحال السياسي إلى ضعف الارتباط بالمرجعيات الحزبية وتراجع الالتزام بالانتماء. يوضح درداري أن منطق البحث عن فرص أكبر للفوز بات يطغى على سلوك المرشحين، إذ يعتبرون أن أحزابهم لا تمنحهم حظوظا كافية، فيلجؤون إلى أحزاب أخرى توفر لهم فرصا أفضل، خاصة أولئك الذين يمتلكون إمكانيات مالية ولا يعتمدون على الدعم الحزبي المخصص للحملات الانتخابية.
يضيف المحلل أن الخلافات الداخلية، سواء تعلق الأمر بالنزاعات حول التزكيات أو الإحساس بضعف الديمقراطية الداخلية أو الصراعات بين القيادات، تشكل عوامل دافعة نحو الترحال. كما يسهم ضعف التأطير الإيديولوجي وتقارب البرامج السياسية في تنامي الظاهرة، مما يجعل الانتقال من حزب إلى آخر أمرا عاديا في ظل تراجع الفوارق الجوهرية بين المشاريع الحزبية. الطموح الشخصي يدفع البعض للسعي نحو الاستمرار في المسؤوليات، حتى وإن اقتضى ذلك تغيير الانتماء الحزبي، وكأن الغاية تبرر اللجوء إليه.
كيف يبرر المنتقلون بين الأحزاب خياراتهم؟
يورد درداري أن أنصار الترحال السياسي يعتبرونه حلا للخلافات وتعبيرا عن تطور القناعات أو رفضا لممارسات داخل الحزب الأصلي، وبالتالي فهو ممارسة مشروعة تندرج ضمن حرية الانتماء. يؤيد البعض هذه الظاهرة لكونها تعزز التنافس بين الأحزاب لاستقطاب الكفاءات. في المقابل، يرى المنتقدون أن أغلب حالات الانتقال تتم قبيل الاستحقاقات مباشرة وترتبط بالحصول على التزكية أكثر من ارتباطها بتحول فكري حقيقي، مما يجعلها أقرب إلى منطق المصلحة الخاصة منه إلى الاقتناع السياسي.
هل يكفي القانون للحد من الترحال السياسي؟
لا يكفي القانون وحده للحد من ظاهرة الترحال السياسي وتخليق الحياة السياسية. يؤكد سمير الشحواطي أن الحديث عن الديمقراطية يقتضي استحضار ثلاثة أبعاد متكاملة: البعد النظري والقيمي القائم على التعددية والالتزام السياسي، والبعد المؤسساتي والتشريعي المرتبط بالقوانين المنظمة، ثم البعد الثقافي والمجتمعي الذي يشمل الثقافة السياسية والوعي المدني. يتطلب الحد من هذه الاختلالات ترسيخ القيم الديمقراطية داخل المجتمع، وتجديد العمل الحزبي عبر الانفتاح على الشباب والاستثمار في تكوين النخب الجديدة بدل الاعتماد على محترفي الانتخابات، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويسهم في تحقيق التنمية المجتمعية.
هل الترحال السياسي ظاهرة صحية في الديمقراطيات الحديثة؟
في الديمقراطيات الراسخة، يعد تغيير الانتماء السياسي نتيجة تطور فكري طبيعي. غير أن الترحال المكثف والمتزامن مع الانتخابات، كما يحدث في المشهد العربي، يعكس أزمة بنيوية في الحزبية وضعفا في الديمقراطية الداخلية، مما يحول العمل الحزبي إلى مجرد ميركاتو للمصالح الآنية.
ما هو تأثير الميركاتو الانتخابي على المؤسسات الديمقراطية؟
يؤدي تغليب المقاربة العددية والبحث عن الوافدين إلى إضعاف المبادئ الديمقراطية وتكريس منطق الزعامة داخل التنظيمات. هذا الواقع يضر بثقة المواطنين في العمل السياسي ويقوض مساعي الإصلاح وتحديث الدولة، إذ تصبح الكراسي هدفا بحد ذاتها بدلا من خدمة المصلحة العامة وتطوير المجتمع.