المغرب وإفريقيا: استراتيجية جيوسياسية وراء كأس الأمم الإفريقية
تسعى المملكة المغربية والسنغال حالياً إلى ترميم العلاقات الثنائية بعد التوترات التي نجمت عن أحداث رياضية خلال النهائي الأخير لكأس الأمم الإفريقية. هذه الجهود الدبلوماسية تعكس الأهمية الاستراتيجية للشراكة المغربية-السنغالية في إطار السياسة الخارجية المغربية تجاه القارة الإفريقية.
دبلوماسية رياضية وأهداف استراتيجية
شكل تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم حدثاً يتجاوز البعد الرياضي ليكتسب دلالات جيوسياسية واقتصادية عميقة. فاختيار المغرب لاستضافة هذا الحدث يعكس نجاح دبلوماسيته في ترسيخ حضوره كشريك استراتيجي داخل الفضاء الإفريقي، بعد عقود من العمل المنهجي على إعادة بناء العلاقات جنوب-جنوب.
تتضمن هذه الاستراتيجية استثمارات البنوك المغربية في دول إفريقيا جنوب الصحراء، بالإضافة إلى المبادرة الأطلسية التي تهدف إلى ربط دول الساحل الإفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد) بالمحيط الأطلسي عبر بنية تحتية حديثة.
عودة قوية إلى الاتحاد الإفريقي
يأتي تنظيم البطولة في سياق العودة الاستراتيجية للمغرب إلى الاتحاد الإفريقي وتعزيز حضوره في التكتلات الإقليمية، بعد غياب دام حوالي ثلاثة عقود منذ انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية.
يُستخدم الحدث الرياضي هنا كأداة من أدوات القوة الناعمة، حيث يتيح للمغرب تقديم صورته كدولة مستقرة ومنفتحة، قادرة على جمع الأفارقة حول مشروع مشترك يرسخ منطق التعاون الدولي.
رافعة اقتصادية للاستثمار والتنمية
مثل تنظيم البطولة رافعة حقيقية للاستثمار، فالبنيات التحتية المرتبطة بالملاعب والنقل والسياحة تشكل استثماراً طويل الأمد يعزز الجاذبية الاقتصادية المغربية داخل القارة.
كما أن الحضور المكثف لرجال الأعمال والمستثمرين الأفارقة يفتح آفاقاً جديدة للشراكات في قطاعات البنوك والطاقات المتجددة والزراعة والصناعات الغذائية، وهي مجالات راكم فيها المغرب خبرة معتبرة في التعاون الإفريقي.
الهوية الإفريقية والوعي الجماعي
يرتبط البعد الأعمق لهذا الحدث بسؤال الوعي الجماعي للمغاربة بانتمائهم الإفريقي. فعلى الرغم من الانتماء الجغرافي والتاريخي لإفريقيا، لم يكن هذا الوعي حاضراً بقوة في التمثلات الشعبية، بسبب عوامل تاريخية وثقافية، منها الإرث الاستعماري وهيمنة التوجه المتوسطي-الأوروبي.
شكل تنظيم البطولة فرصة رمزية وثقافية لإعادة طرح سؤال الهوية الإفريقية للمغرب، ليس كشعار سياسي، بل كمعطى تاريخي وحضاري وإنساني.
تجاوز الانفعالات نحو شراكة متوازنة
إن وعي المغاربة بإفريقيتهم يفترض معرفة أعمق بتاريخ القارة وتنوعها الثقافي والتحديات المشتركة، مما يسمح بالتعالي على المشاعر السلبية والانفعالات العاطفية التي شهدتها المباراة النهائية.
في المحصلة، فإن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم ليس مجرد إنجاز رياضي، بل محطة ضمن مسار أوسع لإعادة بناء علاقة متوازنة مع إفريقيا تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل، وتشكل اختباراً لقدرة المغاربة على استيعاب عمق انتمائهم الإفريقي وتحويله إلى عنصر قوة ثقافية وسياسية واقتصادية.