حقيقة أم وهم؟ سؤال قديم بإجابة حديثة
تُعدّ عبارة «الحب من النظرة الأولى» من أكثر التعبيرات حضوراً في الثقافة الشعبية والأفلام الرومانسية، لكن الطب يقدّم اليوم قراءة أكثر دقة لهذا الشعور الذي يحير الإنسان منذ قرون. فما نسمّيه حباً من النظرة الأولى قد لا يكون حباً بالمعنى العميق، بل مجرّد انجذاب أولي يحتاج إلى الوقت كي يتحوّل إلى مشاعر راسخة. هذا ما أوضحه جرّاح الدماغ والأعصاب والعمود الفقري د. حسين درويش في حديث خاص نقلته جريدة «النهار» اللبنانية في تقرير نشر في الثامن من تشرين الثاني 2026.
الخلاصة التي يمكن استخلاصها من التقرير واضحة: النظرة الأولى تُشعل شرارة الانجذاب، لكنها وحدها لا تصنع حباً حقيقياً. الحب يحتاج إلى معرفة ومعاشرة واكتشاف لشخصية الآخر، فيما يبقى الإعجاب الأولي مجرّد بداية الطريق.
ماذا يقول الطبيب اللبناني عن الحب من النظرة الأولى؟
يقطع د. حسين درويش الجدل حول هذا الموضوع بجواب علمي متوازن، إذ يقول: «الحب من النظرة الأولى حقيقة، لكنه ليس حقيقة كاملة». ويعلّل هذا التوصيف بأن ما نشعر به في اللحظة الأولى من لقاء شخص ما هو إعجاب وليس حباً بالمعنى الفعلي.
ويشرح درويش في حديثه إلى «النهار»: «عندما نقول إننا أحببنا شخصاً من النظرة الأولى، نحن في الواقع لا نكون قد أحببناه بعد، بل نكون قد أُعجبنا به من النظرة الأولى».
هذا التمييز بين الإعجاب والحب ليس تقنيّاً فحسب، بل يلامس طبيعة العلاقات الإنسانية. فالإعجاب يمكن أن يحدث في ثوانٍ معدودة، بينما يحتاج الحب إلى مسار زمني أطول يقوم على التجربة والمشاركة. وتشير موسوعة ويكيبيديا في مقالها عن البيولوجيا العصبية للحب إلى أن الدماغ يفرز عند الانجذاب الأولي مواد كيميائية مثل الدوبامين والأوكسيتوسين، وهي المسؤولة عن الشعور بالنشوة والانجذاب الذي يرافق اللقاءات الأولى.
ويضيف درويش موضحاً الفرق بين الشعورين: «الإعجاب هو بداية الطريق إلى الحب، لكنه ليس الحب بحدّ ذاته».
هل يقتصر الانجذاب الأولي على المظهر الخارجي؟
في سياق الإجابة عن هذا السؤال، يشرح د. درويش أن للجمال جانبين متلازمين، ولا يمكن اختزال الانجذاب في أحدهما دون الآخر. يقول: «نصفه يتعلق بالمظهر الخارجي، والنصف الآخر يرتبط بطريقة حديثنا وتعاملنا مع الآخرين، وكيفية تقديم أنفسنا والتعبير عن شخصياتنا».
أي أن الانطباع الذي نكوّنه عن شخص ما منذ اللحظة الأولى لا يتوقف عند الشكل، بل يتأثر أيضاً بحضوره الشخصي وطريقة تعبيره عن ذاته وتفاعله مع من حوله. وهذا ما يفسّر لماذا قد ننجرّ إلى أشخاص لا يتطابقون مع المعايير الجمالية المألوفة، لأن الكاريزما وطريقة الكلام يشكّلان نصف المعادلة.
متى يتحوّل الإعجاب إلى حب حقيقي؟
بحسب التقرير المنشور في «النهار»، فإن د. درويش يرى أن الحب يحتاج إلى ما يتجاوز الانطباع الأول بكثير. يقول: «قد نُعجب بشخص بمجرد رؤيته، لكننا لا نقع في حبه إلا عندما نتعرّف إليه ونعيش معه ونكتشف جوانب شخصيته».
أي أن المعرفة المتبادلة والتجارب المشتركة هما العاملان الحاسمان في تحويل الانجذاب العابر إلى علاقة عاطفية راسخة. فالنظرة الأولى قد تكون بداية الحكاية، لكنها لا تكفي وحدها لكتابة نهايتها.
السينما وترسيخ فكرة الحب الفوري
لم يأت هذا الاعتقاد الشائع من فراغ، فالسينما لعبت دوراً كبيراً في ترسيخ فكرة أن لقاءً واحداً قد يكون كافياً لإشعال قصة حب مصيرية. ففي فيلم «روميو وجولييت» (1996)، تتلاقى عينا البطلين للمرة الأولى خلال حفلة، في مشهد أيقوني يمهّد لقصة حب تتحدى العداوة بين عائلتيهما. وفي فيلم «The Notebook» (2004)، ينجذب «نوح» إلى «آلي» منذ اللحظة التي يراها فيها في مدينة الملاهي، لتتحوّل شرارة الإعجاب الأولى إلى علاقة تواجه عقبات كثيرة.
أما في فيلم «Love at First Sight» (2023)، فيلتقي «هادلي» و«أوليفر» صدفة على متن رحلة جوية من نيويورك إلى لندن، وينشأ بينهما انسجام فوري قبل أن تفرّقهما الظروف ويسعى كل منهما إلى العثور على الآخر من جديد. وتتناول منصة Sollywood مجموعة من الأفلام الرومانسية التي رصدت سحر اللقاء الأول وكيفية تحوّله إلى قصص عاطفية كاملة.
لكن بعيداً من الصورة الرومانسية التي ترسمها الشاشة الكبيرة، يبقى السؤال قائماً: هل تلك الشرارة الأولى حب حقيقي أم مجرّد إعجاب يحتاج إلى الوقت والمعرفة كي يتضح معناه؟ الجواب الطبي يرجّح الخيار الثاني.
بين علم الأعصاب والرومانسية
يبيّن التقرير أن ما نشعر به في اللحظة الأولى من لقاء شخص ما هو ردّ فعل عصبي سريع، بينما الحب عملية معرفية وعاطفية تتراكم مع التجربة. وبهذا المعنى، فإن الاعتقاد بأن النظرة الأولى تصنع حباً كاملاً هو اختزال لعملية نفسية وعصبية معقدة تستغرق وقتاً وتتطلب تفاعلاً حقيقياً بين شخصين.
وقد يفسر هذا التمييز الطبي لماذا تفشل بعض العلاقات التي تبدأ بانجذاب شديد منذ اللقاء الأول، إذ يكون الانجذاب مبنياً على انطباع سطحي لا يصمد أمام اكتشاف الشخصية الحقيقية للطرف الآخر. في المقابل، قد تكبر علاقات بدأت بإعجاب هادئ لتتحوّل إلى حب عميق بفضل المعرفة المشتركة.
أسئلة شائعة
هل الحب من النظرة الأولى ممكن علمياً؟
بحسب جرّاح الدماغ والأعصاب د. حسين درويش، فإن ما نسمّيه حباً من النظرة الأولى هو في الواقع إعجاب أولي بالشخص، وليس حباً حقيقياً بحد ذاته.
ما الفرق بين الإعجاب والحب؟
الإعجاب يحدث بمجرد رؤية الشخص أو التعرف إليه بشكل سطحي، بينما الحب يحتاج إلى معرفة ومعاشرة واكتشاف لجوانب شخصية الطرف الآخر، بحسب ما أوضح د. درويش لجريدة «النهار».
هل يقتصر الانجذاب الأولي على المظهر الخارجي؟
لا، فبحسب د. درويش، نصف الانجذاب يتعلق بالمظهر الخارجي، بينما يرتبط النصف الآخر بطريقة الحديث والتعامل مع الآخرين والتعبير عن الشخصية.
ما دور السينما في ترسيخ فكرة الحب من النظرة الأولى؟
قدّمت أفلام مثل «روميو وجولييت» و«The Notebook» و«Love at First Sight» قصصاً رومانسية بدأت بلقاء عابر، ما ساهم في ترسيخ الاعتقاد الشعبي بأن نظرة واحدة قد تكون كافية لإشعال حب مصيري.
