تقبيل يد العلماء والوالدين: دار الإفتاء المصرية تحسم الجدل وتحدد الضوابط الشرعية
أصدرت دار الإفتاء المصرية توضيحًا شرعيًا حول حكم تقبيل يد العلماء والصالحين والوالدين وكبار السن، مؤكدة أن هذا الفعل يُعد من صور التوقير والاحترام التي أقرتها السنة النبوية وعمل بها الصحابة في تعاملهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيما بينهم. ويأتي هذا البيان في إطار الجهود المستمرة للدار لتبسيط الأحكام الشرعية وربطها بالواقع الاجتماعي.
ما هو الحكم الشرعي لتقبيل اليد؟
أوضحت الدار أن تقبيل اليد لا يقتصر على العلماء فقط، بل يشمل كل من يستحق التوقير بسبب سنه أو علمه أو مكانته الدينية أو الاجتماعية. وأكدت أن الشريعة الإسلامية جاءت لإتمام مكارم الأخلاق والدعوة إلى احترام الكبير والعالم ورحمة الصغير، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ».
وبيّنت الدار أن من صور حسن الخلق أن يقدّر الإنسان من هو أكبر منه سنًا أو أعلى منه علمًا أو مكانة، وأن يعامل كل شخص بما يتناسب مع قدره، فيحظى الصغير بالرحمة والرفق، ويحصل الكبير والعالم على التوقير والتقدير.
هل تقبيل اليد من مظاهر التوقير؟
أشارت دار الإفتاء إلى أن تقبيل يد العلماء والصالحين والوالدين وكبار السن والمشايخ والأجداد يعد من أبرز صور التوقير، ويدخل ضمن الآداب المندوبة التي وردت فيها نصوص من السنة النبوية. ولفتت إلى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يُنقل أنه أنكر عليهم هذا الفعل.
واستشهدت الدار بما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها في وصف تعامل السيدة فاطمة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانت تستقبله وتقبل يده عند دخوله عليها. كما نقلت رواية عن زارع العبدي رضي الله عنه، حين ذكر أنه وأفراد وفد عبد القيس عندما قدموا إلى المدينة كانوا يتسابقون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقبلون يده ورجله.
وأكدت الدار أن تقبيل اليد لم يكن خاصًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما عرفه الصحابة فيما بينهم أيضًا، باعتباره وسيلة للتعبير عن الاحترام والتوقير، مشيرة إلى ما روي عن تميم بن سلمة أن أبا عبيدة رضي الله عنه قبل يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ماذا قال الفقهاء في حكم تقبيل اليد؟
أكدت دار الإفتاء أن أقوال عدد من الفقهاء جاءت مؤيدة لجواز تقبيل يد العلماء والصالحين، بل استحبابه في مواضع يكون فيها المقصود هو التوقير والتكريم، مع مراعاة أن يكون الأمر في إطاره المشروع بعيدًا عن المبالغة أو التذلل المذموم.
وذكرت أن العلامة ابن مودود الموصلي الحنفي نص على أنه لا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل، مستندًا إلى ما ورد من فعل الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما نقل عن سفيان بن عيينة قوله إن تقبيل يد العالم والسلطان العادل سنة.
وفي الفقه المالكي، نقلت الدار عن ابن بطال أن تقبيل اليد يكره إذا كان متعلقًا بالظلمة والجبابرة، بينما يجوز تقبيل يد الأب والرجل الصالح ومن ترجى بركته، وهو ما يوضح أن الحكم يرتبط بشخص من تُقبل يده والغاية من هذا الفعل. كما نقلت عن العلامة العدوي أن تقبيل اليد في هذه الحالات لا يقتصر على مجرد الإباحة، بل قد يحمل معنى الندب لما يتضمنه من زيادة البر بالوالدين وطلب البركة من الصالحين.
وأشار الإمام النووي في «المجموع» إلى استحباب تقبيل يد الرجل الصالح والزاهد والعالم وأهل الآخرة، بينما ذكر العلامة البهوتي الحنبلي أن تقبيل اليد والرأس يجوز بقصد التدين والإكرام والاحترام. ولفتت دار الإفتاء إلى أن بعض العلماء أفردوا هذه المسألة بمؤلفات خاصة، ومن بينهم العلامة عبد الله بن الصديق الغماري، الذي وضع كتابًا بعنوان «إعلام النبيل بجواز التقبيل»، جمع فيه الأدلة المتعلقة بجواز تقبيل اليد وغيرها من صور التكريم.
ما هي الضوابط الشرعية لتقبيل اليد؟
وخلصت دار الإفتاء المصرية إلى أن تقبيل يد العلماء والصالحين والوالدين وكبار السن والمشايخ والأجداد من صور التوقير المندوبة، وقد دلت على مشروعيته السنة التقريرية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى جانب ما ثبت من أفعال الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومع بعضهم البعض.
وأكدت الدار أن هذا السلوك يندرج ضمن منظومة احترام الكبير وتوقير أهل العلم وأصحاب الفضل، وهي قيم أكدت عليها الشريعة الإسلامية ودعت إلى المحافظة عليها في التعامل بين أفراد المجتمع. ويبقى الضابط الأساسي هو أن يكون الفعل في إطاره المشروع، بعيدًا عن أي مبالغة أو تذلل مذموم، مع مراعاة النية الصادقة في التعبير عن الاحترام والتقدير.