مع ظهور النتائج الأولى للانتخابات الإسرائيلية والأميركية، رفعت طهران وحلفاؤها نبرة التحدّي، فيما تسارعت التكهنات حول مصير المنطقة الأمنية التي تفرضها إسرائيل جنوب نهر الليطاني. فقد نقلت صحيفة
وتشير المعطيات إلى أنّ وصول غادي آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، إن حُسمت العملية الحكومية لصالحه، لن يعني أيّ انفراج في التعاطي مع الملف اللبناني، بل استكمالاً لنهج بنيامين نتنياهو في فرض المناطق العازلة.
استراتيجية المناطق العازلة: تحوّل في العقيدة الإسرائيلية
تكشف القراءة الجيوسياسية أنّ العقيدة العسكرية الإسرائيلية شهدت في السنوات الأخيرة تحولاً شاملاً، انتقلت من استراتيجية الدفاع والردع على الحدود إلى عقيدة التغيير الجغرافي القسري والسيطرة الميدانية المباشرة. وتقوم هذه العقيدة على إقامة أحزمة ومناطق عازلة على امتداد حدود إسرائيل مع غزة وسوريا ولبنان، بعيداً عن منطق الترتيبات الأمنية التقليدية أو خطوط الهدنة التي ترعاها قوات دولية.
وفي هذا الإطار، يبدو أنّ إنشاء المنطقة الأمنية في جنوب لبنان سيُستكمل في المرحلة المقبلة. وتتّجه إسرائيل، وفق هذه المعطيات، إلى البحث عن ذرائع لتوسيع المنطقة التي تحتفظ بها حالياً بحيث تشمل الجنوب اللبناني بكامله، وهو ما يجعل رهانات حزب الله على إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل تشرين الأول 2023 قراءة خاطئة لموازين القوى الجديدة.
غزة وسوريا ولبنان: جبهات ثلاث في جغرافيا واحدة
في قطاع غزة، كرّس الجيش الإسرائيلي حزاماً أمنياً عبر التجريف على عمق كيلومترات عدة، إلى جانب محاور التقطيع الاستراتيجية كمحور نتساريم وقطاع فيلادلفيا، محوّلاً أجزاء واسعة من القطاع إلى مناطق سيطرة نارية. وعلى الجبهة السورية، تواصل إسرائيل تعميق حضورها العسكري في الجنوب ومحيط الجولان المحتل، مستغلة حال التفكك لفرض حزام أمني.
أما في الجنوب اللبناني، فقد تجاوزت إسرائيل اتفاقية الهدنة لتعتمد سياسة الأرض المحروقة والسيطرة النارية الشاملة جنوب نهر الليطاني. وأصبح إنشاء الحزام الأمني الخالي من البنى التحتية والسلاح حقيقة ميدانية، في تحدٍّ مباشر للسيادة اللبنانية ولقرارات الشرعية الدولية التي يفترض أن تحكم هذه المنطقة.
غطاء أميركي عابر للأحزاب
وتتحرك إسرائيل في هذا المدى الجغرافي مدعومة من واشنطن التي تضمن لها الغطاء السياسي والسلاح. فسواء كان القاطن في البيت الأبيض ديموقراطياً أم جمهورياً، وسواء كانت الغلبية في الكونغرس لهذا الحزب أو ذاك، ستلتزم واشنطن بتفوق إسرائيل العسكري النوعي وبمنحها حرية التصرف الميداني لإزالة التهديدات عن حدودها.
وتدرك الإدارات الأميركية المتعاقبة أنّ المناطق المتاخمة لإسرائيل، في لبنان وسوريا وغزة، تمثل مجال نفوذ وخصوصية أمنية إسرائيلية مطلقة. ولذا، فإنّ أي تكتيك إسرائيلي يهدف إلى إعادة رسم الخرائط الحدودية وإفراغها من السلاح سيحظى بتغطية واشنطن ودعمها التكنولوجي.
سقوط المعادلة القديمة وعزلة لبنان
في ظل هذه الجغرافيا العسكرية الجديدة، تبرز خطورة محاولة حزب الله الاستثمار في المتغيرات الانتخابية والسياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل، وتمسّكه بخطاب التهديد داخلياً وإقليمياً. فتكتيك الغموض الاستراتيجي وأسلوب إطلاق الشعارات لم يعودا قادرين على كبح إسرائيل التي استبدلت توازن الرعب بمعادلة أخرى قائمة على الاستهداف الوقائي بالنار.
والأخطر من ذلك، أنّ اندفاع الحزب إلى رفع منسوب التصعيد والتهرّب من مبدأ حصرية السلاح، وهما خطان يضعانه في صدام مباشر مع التوجه الرسمي للدولة اللبنانية، سيضاعفان عزلة لبنان دولياً ويقدّمان لإسرائيل ما تحتاج إليه من ذرائع لاستكمال السيطرة وتدمير ما تبقى من بنى في الجنوب.
ويبقى الخطأ الأكبر، وفق التحليل المنشور، هو اعتقاد الحزب بأنّ غادي آيزنكوت سيكون أكثر تساهلاً من بنيامين نتنياهو في التعاطي مع لبنان، أو أنّ الإدارة الأميركية بعد انتخابات الكونغرس ستُمارس ضغطاً على إسرائيل لإجبارها على الانسحاب الشامل قبل تفكيك بنية الحزب التسليحية بشكل كامل.
أسئلة شائعة
هل سيغيّر آيزنكوت سياسته تجاه لبنان مقارنة بنتنياهو؟
تشير المعطيات المنشورة إلى أنّ آيزنكوت سيستكمل نهج نتنياهو في جنوب لبنان، وأنّ الاعتقاد بأنه سيكون أكثر تساهلاً يُعد خطأً استراتيجياً، إذ تتمتع سياسة المناطق العازلة بإجماع إسرائيلي وأميركي عابر للأحزاب.
ما هي المنطقة العازلة التي تفرضها إسرائيل في جنوب لبنان؟
منطقة تخضع لسيطرة نارية إسرائيلية شاملة جنوب نهر الليطاني، خالية من البنى التحتية والسلاح، وتشبه الحزام الأمني المفروض في غزة وسوريا.
ما موقع حزب الله من هذه التطورات؟
يتمسك الحزب بخطاب التهديد ويراهن على المتغيرات الانتخابية، وهو ما يضاعف عزلة لبنان ويقدّم ذرائع لإسرائيل لتوسيع سيطرتها، في وقتٍ يصطدم فيه مع التوجه الرسمي للدولة اللبنانية.
