أعادت الاضطرابات التي هزّت المدن الفرنسية في تشرين الأول/أكتوبر 2026 إلى الواجهة أسئلة حساسة حول أزمة الهجرة والاندماج في أوروبا، وحدود الاحتجاج المشروع، ومخاطر توظيف العنف سياسياً. فهل كانت مواجهة إسلاموية منظمة، أم انفجاراً اجتماعياً تغذيه كوارث مناخية وأزمات اقتصادية؟
وفقاً لتحليل نشرته جريدة النهار، فإن قراءة ما جرى في فرنسا عبر منظار واحد، ديني كان أم اجتماعياً، تبسيط مخلّ لظاهرة متعددة العوامل تتقاطع فيها هوية الدولة العلمانية مع إكراهات الاقتصاد والمناخ.
مخاوف باريس من نفوذ الإخوان المسلمين
في أيار/مايو 2025، نشرت وزارة الداخلية الفرنسية تقريراً عن الإخوان المسلمين والإسلام السياسي تناول مخاوف من نفوذ محتمل لبعض الشبكات المرتبطة بهذا التيار داخل الجمعيات والمؤسسات الدينية والمحلية. ويدور الجدل حول مدى توظيف العمل الديني والتعليمي والخيري لبناء نفوذ أيديولوجي طويل الأمد والتأثير في النقاشات المتعلقة بالعلمانية والمساواة والاندماج.
لكن التقرير نفسه، كما يستنتج التحليل، لا يعني أن جميع الجمعيات الإسلامية مرتبطة بالإخوان، ولا يثبت مسؤولية الحركة عن التطرف أو العنف من دون أدلة مستقلة. فالمشاركة الدينية والسياسية المشروعة تختلف جذرياً عن التحريض على الكراهية أو انتهاك القانون، وهو تمييز جوهري في نموذج الجمهورية الفرنسية القائم على حرية الاعتقاد والمساواة أمام القانون.
التمييز بين الإسلام والإسلاموية والجهادية
يفرّط المحللون في فرنسا بين ثلاثة مستويات: الإسلام بوصفه ديناً يتمتع أتباعه بحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والإسلاموية بوصفها تيارات تسعى إلى جعل المرجعية الدينية أساساً لمشروع سياسي، والجهادية التي تبرر العنف أو تمارسه. فالمشكلة ليست في الإسلام أو المسلمين، بل في الخطابات التي تحرّض على الكراهية أو تنتقص من حقوق الآخرين.
هل من جهادية فرنسية؟
يركز المفكر الفرنسي جيل كيبيل في كتابه عن نشأة الجهاد الفرنسي على تطور الأيديولوجيا الجهادية وشبكات التعبئة وتفاعلها مع التحولات الاجتماعية. في المقابل، يشدد الباحث أوليفييه روا على أن بعض مسارات التطرف لا تنطلق بالضرورة من تدين عميق، بل قد ترتبط بأزمات الهوية والتمرد والشعور بالاغتراب.
وتؤكد المقاربتان معاً أن الجهادية ظاهرة متعددة العوامل لا يمكن تفسيرها بالدين وحده أو بالتهميش الاجتماعي وحده. ومن هنا، لا يجوز افتراض أن الإسلاموية السياسية تقود حتماً إلى الجهادية، وأن أي علاقة بين تنظيم معين والعنف تحتاج إلى إثبات مستقل.
عوامل مهّدت لاضطرابات تشرين الأول
كان الطلبة والتعليم الثانوي شرارة الانتفاضة، في بلد تجاوزت موازنة التقاعد فيه ضعف موازنة التربية، وهو خلل بنيوي يلخّص أزمة أولويات الدولة الفرنسية. وتناولت الكاتبة الأميركية غلينيس ماكنيكول في «نيويورك تايمز» في 20 تشرين الأول ثلاثة أسباب عميقة للغضب: كارثة المناخ، ورعب الذكاء الاصطناعي، والتدهور الاقتصادي.
وكتبت أن موجات حرّ عقابية متتالية أرّقت البلاد منذ أواخر الربيع، إذ ارتفعت درجات الحرارة في باريس فوق مئة درجة فهرنهايت مراراً بدءاً من أيار 2026، وتحوّلت صور الشباب الباريسيين القافزين إلى قناة سان مارتين ونهر السين إلى نقيضها مع وفاة نحو 8000 شخص من الحرّ وحرائق أتت على عشرات آلاف الأفدنة.
فرنسا عاصمة الاحتجاجات الأوروبية
لم تكن أحداث تشرين الأول حدثاً معزولاً. ففرنسا تشهد منذ سنوات نحو عشرين مظاهرة يومياً، وفق تقرير مصوّر يعزو هذه الظاهرة إلى سببين رئيسيين، ما جعلها تبدو عاصمة الاحتجاجات في العالم. وترى إيميل شابال في تحليل لموقع حمورابي للدراسات الاستراتيجية أن الاحتجاج والتصعيد هما استجابة لدولة سلطوية شديدة المركزية تعطّل قنوات الحوار.
بدورها، توقعت دراسة لمركز شاف لتحليل الأزمات أن تواجه السلطة السياسية الفرنسية اختباراً جديداً لقدرتها على احتواء الأزمة والحفاظ على الاستقرار الداخلي، في ظل امتداد الموجة الاحتجاجية إلى دول أوروبية أخرى.
اليمين المتطرف منتصر سياسياً
يحذّر التحليل من أن أقصى اليمين سيوظف ما جرى في فرنسا وامتداده إلى دول أوروبية أخرى للخروج منتصراً سياسياً، عبر تركيز خطابه على مخاطر الهجرة واللجوء والتخريب والنهب والمطالبة بعقوبات أشد وعودة النظام. ويرى معهد غايتستون أن الأحداث لم تنشأ في فراغ، بل في سياق ثلاثة واقعات يرفض الطبقة السياسية الفرنسية مواجهتها: الهجرة غير المنضبطة، والانفصالية المتنامية، والكلفة غير الممكنة لدولة الرعاية.
يبقى الرهان، كما يخلص التحليل، على قدرة الجمهورية الفرنسية على الجمع بين سيادة القانون وحرية الاعتقاد والمساواة، ومواجهة التطرف على أساس الوقائع لا التعميمات. وهو درس يهم لبنان أيضاً: قوة الدولة في مؤسساتها الديمقراطية المحصّنة ضد توظيف الغضب الشعبي، لا في خطاب الخوف.
أسئلة شائعة
ما سبب اضطرابات فرنسا في تشرين الأول 2026؟
انطلقت الشرارة من قطاع التعليم الثانوي، لكن التحليلات تربط الغضب بعوامل أعمق تشمل موجات الحر القاتلة ووفاة نحو 8000 شخص، والتدهور الاقتصادي، ومخاوف الذكاء الاصطناعي.
هل أثبت تقرير الداخلية الفرنسية صلة الإخوان بالعنف؟
لا. تقرير أيار 2025 تناول مخاوف من نفوذ محتمل داخل جمعيات دينية، لكنه لا يثبت مسؤولية أي تنظيم عن التطرف أو العنف من دون أدلة مستقلة.
ما الفرق بين الإسلاموية والجهادية؟
الإسلاموية تيارات تسعى إلى جعل المرجعية الدينية أساساً لمشروع سياسي، بينما الجهادية تبرر العنف أو تمارسه، والعلاقة بينهما ليست تلقائية وتحتاج إلى إثبات.
