محاكمة مجدي نعمة في فرنسا: العدالة الدولية تُسقط إسلام علوش
في سابقة قضائية تُعيد النقاش حول آليات العدالة الدولية ومبدأ الولاية القضائية العالمية، أصدرت محكمة الجنايات في باريس حكماً بالسجن عشر سنوات بحق مجدي نعمة، المعروف باسمه الحركي إسلام علوش، الناطق السابق باسم فصيل جيش الإسلام. وجاء الحكم إثر إدانته بالمشاركة في مخطط لارتكاب جرائم حرب، في محاكمة تُعدّ واحدة من أبرز الملفات التي تناولتها القضاء الفرنسي بشأن الانتهاكات المرتكبة في سوريا.
من البحث الأكاديمي إلى خطاب التعبئة
ولد مجدي مصطفى نعمة عام 1988، وحصل على إجازة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة إسطنبول آيدن، قبل أن يعمل باحثاً ثم نائباً لرئيس مركز طوران للدراسات. غير أن مساره الأكاديمي لم يلبث أن تحوّل نحو العمل العسكري السياسي، إذ انشق عن جيش النظام السوري في نوفمبر 2012، والتحق بزهران علوش مؤسس لواء الإسلام الذي تحول لاحقاً إلى جيش الإسلام، أحد أبرز الفصائل المسلحة التي سيطرت على مناطق واسعة من الغوطة الشرقية.
تولى نعمة منصب المتحدث الرسمي باسم الفصيل بين عامي 2013 و2016 تحت اسم إسلام علوش، قبل أن يعلن استقالته في يونيو 2017، مبرراً ذلك بطبيعة منصبه الذي يفرض عليه التواصل المباشر مع وسائل الإعلام. غادر الغوطة الشرقية إلى تركيا في مايو 2013، حيث واصل أداء مهامه الإعلامية والسياسية من الخارج.
ملف اختفاء رزان زيتونة: جريمة بلا مُتهم
يُعدّ ملف اختفاء الناشطة الحقوقية رزان زيتونة وزملائها الثلاثة، وائل حمادة وسميرة خليل وناظم حمادي، من أبرز الملفات التي رُبطت بجيش الإسلام. ففي ديسمبر 2013، اختفى هؤلاء الناشطون في ظروف غامضة بمدينة دوما، التي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة ومنها جيش الإسلام.
وعلى الرغم من نفي الفصائل صلتها بالاختفاء، فإن محكمة استئناف باريس أكدت في حيثيات حكمها أنه ينبغي اعتبار جيش الإسلام مسؤولاً عن اختفاء الناشطين الأربعة، وهو ما أيدته لاحقاً محكمة التمييز، أعلى هيئة قضائية في فرنسا. غير أن المحكمة أبطلت التهم الموجهة إلى نعمة شخصياً في هذا الملف لأسباب إجرائية.
دور المجتمع المدني في ملاحقة الانتهاكات
لعبت منظمات المجتمع المدني和国际ية دوراً محورياً في تحريك هذا الملف. فقد تقدمت الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، ورابطة حقوق الإنسان، بشكوى أمام قسم الجرائم ضد الإنسانية في النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب. كذلك تقدم سبعة من أفراد عائلة زيتونة بشكوى مماثلة تضمنت اتهامات بالتعذيب والاختفاء القسري وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
وبعد بحث دام ثلاث سنوات، تمكن مقدمو الشكوى من تحديد مكان نعمة في جنوب فرنسا، حيث كان يتابع دراسته في معهد أبحاث العالم العربي والإسلامي التابع لجامعة إيكس مرسيليا ضمن برنامج إيراسموس للتبادل الطلابي، ما أفضى إلى توقيفه في يناير 2020.
الولاية القضائية العالمية: سابقة فرنسية
استند الادعاء الفرنسي إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح للمحاكم الفرنسية محاكمة أجانب عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت خارج الأراضي الفرنسية. ورغم اعتراض فريق الدفاع على تطبيق هذا المبدأ، رفضت محكمة التمييز الطعن، مؤكدة اختصاص القضاء الفرنسي.
واعتبر الادعاء أن دور نعمة تجاوز الإطار الإعلامي، مشيراً إلى أنه قدم دعمًا سياسياً وعملياتياً للفصيل بين عامي 2013 و2016. كما وُجهت إليه اتهامات بالتواطؤ في تجنيد أطفال ضمن الجماعة المسلحة، إضافة إلى اتهامات بالضلوع في عمليات خطف وتعذيب وفقاً لشهادات بعض الضحايا.
حكم صارم وتساؤلات بعد سقوط النظام
في مايو 2025، أصدرت محكمة الجنايات في باريس حكمها بالسجن عشر سنوات، مع اشتراط قضاء ثلثي مدة العقوبة كحد أدنى قبل التأهل للإفراج المشروط. وعقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، أثار فريق الدفاع تساؤلات حول جدوى وشرعية استمرار المحاكمة في فرنسا.
وفي يونيو 2026، وجّه نعمة عبر رسالة صوتية منسوبة إليه نداءً إلى الرئيس السوري أحمد الشرع ووزراء الدفاع والخارجية والعدل، دعا فيه إلى التواصل مع الجانب الفرنسي لإحالة ملف قضيته إلى القضاء السوري. كما تطرق إلى ظروف احتجازه، مشيراً إلى حرمانه من الزيارات القنصلية وممارسة الصلاة، وإخضاعه لتفتيش عار ثلاث مرات يومياً، فضلاً عن مشكلات صحية ناجمة عن القيود المفروضة على حركته.
يبقى هذا الملف testcase لحساسية مبدأ الولاية القضائية العالمية وقدرة المؤسسات القضائية الديمقراطية على ملاحقة مرتكبي الانتهاكات أينما كانوا، في حين تُطرح أسئلة مشروعة حول مستقبل آليات العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد الأسد.