تفكيك مصطلحات كرة القدم: قراءة لغوية وتاريخية
في سلسلة مقالات تحليلية، يخلع الشاعر واللغوي المغربي سعد سرحان معطف المشجع التقليدي ليرتدي نظارة الباحث في السوسيولوجيا واللغة، مقدما قراءة تفكيكية لعناصر كرة القدم. ينطلق سرحان من مفارقة المصطلحات، مرورا بالبعد التاريخي والمؤسساتي، وصولا إلى دور المدرب وصعود الكفاءات الوطنية في المشهد الكروي العالمي.
الكرة: خطأ لغوي وتطور تكنولوجي
مصطلح الكرة هو مصطلح هندسي يجري على ألسنة العامة بمعناه الحقيقي. فنقول كرة الثلج، والكرة الحديدية، والكرة الأرضية، وكل واحدة من هذه مملوءة بنفسها، أي أنها مصمتة لا جوف لها. أما إذا كان مبناها كرويا ومعناها هواء، فتسمى فلكة. الفلكة للكرة كالدائرة للقرص. ومع ذلك، لا أحد ممن يدور في فلك اللعبة يدعوها فلكة القدم.
من أين جاء هذا الخطأ الشائع؟ الأرجح أنه انحدر إلى الكرة الحالية من أسلافها الغابرين. فالإنسان قديما لعب بالثمار الجافة، وصرر القش، وقرب الجلد مملوءة بما أتيح، وجذور الدوم ملفوفة في الخرق، وسوى ذلك مما يحقق نشوة الركل. تلك النشوة وصلت ذروتها مع التوقيع بالأقدام على صكوك الانتصار، إذ كان الجنود المظفرون يركلون جماجم أعدائهم وهم في الطريق إلى قوس النصر.
في عصرنا الحالي، استفادت الكرة من ظهور الجلد الصناعي واكتشاف تقوية المطاط، فصارت الشركات المصنعة تطلق طبعات منقحة تأخذ بعين الاعتبار ملاحظات اللاعبين والمدربين. وكلما شاهدت مباراة لكرة القدم وأعلن الحكم عن ضربة خطأ، يخيل إلي أن تلك الركلة القوية هي بعض ما تستحقه الكرة جزاء سعيها الدؤوب بذلك الخطأ اللغوي الشنيع.
القدم: من التهميش التاريخي إلى الريمونتادا
القدم هي أكثر أجزاء الجسد مظلومية بسبب موقعها الأدنى. لا يعرف المرء قيمتها الحقيقية إلا إذا صارت ملفوفة في جبس أو أضحى ملقى على كرسي متحرك. ساعتها فقط ينتبه إلى أن التقدم نفسه اشتق من القدم تحديدا، لا من سواها من الأعضاء المرموقة، وأن حتى خير من يسعى إنما تسعى به قدم، لا يد أو كبد.
في الزمن الغابر، كان الجسد مدينا للقدمين لا بالانتصاب فقط، بل بالعدو والتسلق والقفز. لم تكن هذه ترفا يرافقه التصفيق والهتاف، وإنما كانت من مقتضيات الوجود كالماء والهواء. العدو خلف الطرائد كان لتأمين القوت، والعدو أمام الضواري كان للنجاة من الموت.
وحتى بعد أن صارت بخفاف فجوارب وأحذية، وأصبح سعيها شتى، فإن القدم لا تزال متشبثة بفضيلة نكران الذات. في المصانع والورشات والحقول، تستأثر اليد بالتقدير كله، وكأن القدم لا ترتاد هذه الأماكن. دائما يجري الحديث عن اليد العاملة في تجاهل تام لما تسديه لها أختها السفلى.
أما في الصروح والمآثر التاريخية والمتاحف، ففي كل نقش أو زخرف أو لوحة سبابة لا مرئية تشير إلى إبداع السلف، فيما تقول الأقدام بلا فخر يذكر. لذلك، فالإقدام غالبا ما يتوج بشارة نصر من اليد.
بعيدا عن معاقل الجد والعمل، قريبا من الملاعب، أصبح للقدم وضع اعتباري غير مسبوق. فالعدو والقفز والتسلق لم تعد ذرائع للبقاء، وإنما أصبحت رياضات بقوانين وحكام وجمهور وقنوات ومنصات ورعاة. القدم الآن اقتصاد قائم بذاته، وهي حجر الزاوبة لكبريات الشركات، شركات الأحذية الرياضية أقصد.
في الرياضات الأخرى، كرة المضرب أو السلة أو الطائرة أو اليد، تضع القدم كل كفاءاتها رهن إشارة اليد. رغم ذلك، فإن لعبتها الخاصة هي الأعلى متابعة وشغفا ومكافآت. وبهذا، حققت القدم أغرب ريمونتادا في التاريخ. بكرة القدم وحدها تستطيع القدم الآن أن تباهي الأعمال الكاملة لليد.
الفريق: من العشوائية إلى التقنين المؤسساتي
مورست كرة القدم عند نشأتها حيثما أتيح وبما تيسر وبمن حضر. عدد اللاعبين كان جزءا من عشوائية اللعبة، التي ظلت كذلك حتى القرن التاسع عشر. أما كيف استقرت على العدد الحالي، فللأصل أكثر من حكاية.
تقول الأولى إن خبراء اللعبة انتهوا إلى أن العدد عشرين هو ما يحقق الانتشار المثالي في الملعب، فلا اكتظاظ يعيق سلاسة اللعب، ولا فراغات تكلّف اللاعبين ما يفوق أنفاسهم. وصواب قرارهم أن تناسب العدد مع المساحة هو ما يجري حتى في كرة القدم داخل القاعة بواقع عشرة لاعبين.
الحكاية الثانية تقول إن كرة القدم في مهدها الحديث بإنجلترا كانت من الأنشطة الموازية داخل الثكنات والجامعات. كانت تقام مباريات بين المهاجع، ولما كان بكل مهجع أحد عشر سريرا، كان على الملعب أن يمتثل للعدد.
هذه الحكاية تملك ما يدعمها أكثر، لناحية المعجم الهجين الذي نشأ من تلك المباريات. فالحارس والدفاع والهجوم والتربص والمعترك والخطة والمعسكر والنيران الصديقة والقذيفة والهجمة المضادة انحدرت إلى الملعب من مهاجع الجنود. فيما انحدرت من مهاجع الطلبة مفردات من قبيل المدرج والرئيس والجامعة واللجنة ومراكز التكوين والقيدوم. أما العميد، فهو على هؤلاء وأولئك.
ودور الطلبة في تقنين اللعبة أعلى من أن يتم القفز عليه. فإليهم، إلى طلبة كامبردج تحديدا، يعود الفضل في وضع قانون مكتوب لكرة القدم، كان الأساس لمعظم قواعدها المعمول بها حتى الآن.
المدرب: من العفوية إلى الاحتراف والإدارة الفنية
حتى ستينيات القرن التاسع عشر، لم تكن وظيفة المدرب قد ظهرت بعد. فاللاعبون كانوا سادة اللعبة، وتداريبهم كانت تقتصر على الرفع من اللياقة البدنية وتحسين السرعة.
جورج رامسي كان أول مدرب بالمفهوم الجنيني للكلمة، إذ تولى الأمر في أستون فيلا سنة 1874، وجعل يلقن اللاعبين صيغا تكتيكية تجمع بين بلاغة المراوغة وسلاسة التمرير. سنوات قليلة بعد ذلك، انضم الدولي الإنجليزي جاك هانتر إلى نادي بلاكبيرن كلاعب ومدير فني. من مقتضيات دوره كان مواكبة ما استجد من قواعد وما يحتاجه من خطط للموازنة بين الهجوم والدفاع وحسن التمركز والتعامل مع مصيدة التسلل، وقراءة مجريات المباراة وإجراء التبديلات.
بمرور الوقت، أصبح التدريب تخصصا قائما بذاته، يجمع التكوين الأكاديمي بالتطبيقات الميدانية. صار المدرب يمتلك طاقما متكاملا، من مساعد ومعد بدني وطبيب وخبير تغذية ومدرب حراس ومحلل فيديو. وأمسى اللاعبون تحت إمرته أقل حرية، لا داخل الملعب فقط لتقيدهم بتعليماته، وإنما في حياتهم الخاصة من وجبات الأكل وساعات النوم حتى مراقبة الوزن.
معظم المدربين كانوا نجومًا في الملاعب، وما وقوفهم خلف خط التماس سوى نوع من مواصلة البريق بالنيابة. أما كرويف فيمثل أكبر قطيعة كروية في التاريخ، إذ من غيره انتقل باللعبة من الشعر لاعبا إلى الفلسفة مدربا؟ غير أن الأمر ليس على هذا النحو دائما. فمارادونا لم ينجح كمدرب في أن يقتبس من بريقه كلاعب، فيما نجح مورينيو، وهو خامل الذكر كلاعب، في أن يعشي الأبصار ببريقه كمدير فني.
فضل المدربين في تطوير اللعبة أوضح من أن يشار إليه. بل إن بعض الأندية لا تذكر إلا تحت عنوان بارز هو مدربها. ولا تقتصر ثقافة المدربين على الإلمام بشؤون اللعبة، فلكل واحد منهم أسلحته السرية. وإذا كان لواحدة أن تذكر في هذا الباب، فهي تلك التي استعملها يواكيم لوف في المباراة النهائية لكأس العالم 2014. فقد كانت ألمانيا متعادلة مع الأرجنتين قبل دقيقتين من صافرة النهاية، حين أدخل الشاب ماريو غوتزه بعد أن همس في أذنه:
أظهر للعالم أنك أفضل من ميسي وتستطيع حسم كأس العالم.
ربع ساعة كان كافيا ليسري هذا الإكسير من مسامع الفتى إلى شباك الأرجنتين فإلى التتويج بكأس العالم.
صعود المدرب الوطني وانتصاب الكفاءة
بارتقاء كرة القدم في سبورة البورصة، ارتقى مدربوها إلى مصاف العظماء، فأصبح بعضهم يتقاضى أكثر مما تتقاضاه حكومات كاملة. لكن ماذا عن المدرب الوطني؟
يعيش المغرب طفرة كروية غير مسبوقة، وفي العصب الحي منها يوجد المدرب الوطني الذي بفضله لعب المغاربة تسع نهائيات فازوا في سبع منها في فترة لا تتجاوز السنة. وبتحقيقه للاكتفاء الذاتي من المدربين، أصبح المغرب يستثمر فائض القيمة في أرض الله الواسعة. وبات المغاربة يتابعون المدربين من بني جلدتهم على رأس أندية ومنتخبات أجنبية، بعد أن كانوا يتابعون فقط نجومهم في دوريات الآخرين.
وإذا كان لنا أن نحييهم جميعا من خلال واحد منهم، فلن نجد أحسن من المدرب الحسين عموطة. فهو النظير المغربي لأول مدير فني في تاريخ اللعبة، جاك هانتر، فمثله كان دوليا وكان لاعبا ومدربا في الوقت نفسه. وفضلا عن نجاحاته الأكيدة، فقد كان الرجل يشفي غليلي بتتوجه كأحسن مدرب في قطر متفوقا على المدعو غيريتس الذي كان راتبه في المغرب من أسرار الدولة، حتى حسبت أنه صاحب كتاب غينيس للرواتب القياسية. وحسبه أنه درب في السد القطري كلا من راؤول غونزاليس وتشافي هيرنانديز، أسطورتي ريال مدريد وبرشلونة، وهو مجد لعمري قد لا يتكرر مع سواه من المدربين المغاربة.