إصلاح منظومة الأدوية: الغموض القانوني يُعطّل الإشهار الصحي
في ظل السعي المتواصل لتحديث الهياكل المؤسساتية والقانونية في المنطقة، تطرح تجربة إصلاح مدونة الأدوية والصيدلة في المغرب إشكاليات ذات بعد إقليمي. فالغموض الذي يكتنف قواعد الإشهار المرتبط بالمنتجات الصحية لا يحمي المستهلك، بل يدفع بالسوق نحو فضاءات رقمية متحررة من أي رقابة فعلية، وهو تحد يواجه الدول الساعية إلى بناء دول مؤسساتية شفافة.
الفراغ التشريعي يُعزّز الفضاء الديجيتال غير المراقب
يرى نوفل الرغاي، المدير العام لجمعية الإذاعات والتلفزات المستقلة (ARTI)، أن مشروع القانون رقم 27.26، الرامي إلى تغيير وتتميم القانون رقم 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة، أغفل معالجة مسألة محورية ترتبط بواقع السوق الإعلامية والرقمية. ففي حين تسمح بيئات قانونية أخرى للوسائط المنظمة وبالقنوات التلفزية العامة والخاصة ببث إعلانات المكملات الغذائية ومستحضرات العناية والمنتجات شبه الصحية وفق قواعد واضحة، فإن الغموض القانوني في السياق المغربي يدفع هذه الوسائط إلى الانسحاب والحياد.
هذا الانسحاب لا يعني غياب السوق. بل يعني انتقالها نحو الفضاء الأزرق، شبكات التواصل الاجتماعي، والمؤثرين، ومواقع البيع عن بعد. في هذه الفضاءات العابرة للحدود، تصبح مسألة تحديد المسؤول، وحفظ الأدلة، وتنفيذ قرارات السلطات المحلية شبه مستحيلة، مما يفرغ الرقابة من مضمونها ويضع الصحة العامة في مواجهة مخاطر حقيقية.
مقاربة مؤسساتية تُميّز بين المنع والتقنين
لا يتعلق الأمر هنا بفتح الباب أمام الإشهار الموجه للعموم فيما يخص الأدوية الخاضعة لوصفة طبية أو القابلة للتعويض. هذه الممنوعات يجب أن تبقى صارمة. الإشكالية تكمن في المنطقة الرمادية التي تضم المكملات الغذائية، مستحضرات التجميل، ومنتجات الرفاه والنظافة. ففي البيئات القانونية المقارنة، لا تُترك هذه المنطقة للاجتهاد الفردي، بل يوجد تمييز دقيق بين ما هو ممنوع، وما يمكن الترخيص به، وما يخضع لتأشيرة مسبقة، وتوزيع واضح للمسؤولية بين المعلن ووسيلة البث.
الوسائط الأكثر خضوعا للقانون والضريبة تصبح الأكثر حذرا، بينما يصبح الأقل قابلية للمراقبة الأكثر جرأة. هذه معادلة معكوسة لا تخدم الصحة العامة ولا الاقتصاد الوطني.
التأشيرة كأداة تنظيم حديثة: الشفافية بدل البيروقراطية
خلال مناقشة النص بمجلس النواب المغربي، قُدمت تعديلات مهنية مشتركة حملتها جمعية الإذاعات والتلفزات المستقلة، والفيدرالية المغربية للإعلام، وفيدرالية الصناعات الثقافية والإبداعية، ووكالات الاستشارة في التواصل. لم تكن هذه التعديلات طلبا لرفع القيود، بل طلبا للمنهجية والوضوح، وركزت على ثلاث نقاط أساسية:
- التمييز بين الفئات: تحديد ما يدخل في خانة الدواء الممنوع إشهاره، وما يمكن أن يكون موضوع تواصل مؤطر، وما يخضع لأنظمة أخرى.
- تأمين مسؤولية وسائل الإعلام: جعل مسؤوليتها منسجمة مع دورها الحقيقي المتمثل في التحقق من التراخيص، تحديد هوية المعلن، حفظ أدلة البث، ووقف النشر عند الطلب، وليس التحول إلى سلطة علمية تقرر بمدى علاجية المنتج.
- تحديث مسطرة التأشيرة: تحويلها إلى أداة تنظيم حديثة قابلة للتوقع، ذات آجال مؤطرة وقرارات رفض معللة، بدل مسطرة طويلة وغير أكيدة تدفع الفاعلين إلى التخلي عن السوق المحلية.
التأجيل المكلف: هل يخدم غموض القواعد الإصلاح المؤسسي؟
رفضت الحكومة هذه التعديلات، معللة ذلك بأنها تتجاوز نطاق الإصلاح الذي يركز على اليقظة الدوائية وتعزيز اختصاصات الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، وأن إدراج مقتضيات الإشهار يفتح ورشا واسعا يحتاج إلى مشاورة مسبقة. غير أن هذا التبرير يطرح مفارقة واضحة: فالقانون نفسه هو من أدخل مراقبة الإشهار ضمن مهمة مراقبة السوق المسندة إلى الوكالة. فإذا كان الملف مهما بما يكفي ليسند إلى الوكالة، فمن غير المنطقي أن تبقى شروط تطبيقه هامشية وثانوية.
إن رفض التعديلات بدعوى تعقد الموضوع وحاجته إلى مشاورة، في حين أنها صادرة أصلا عن مسار مهني تشاوري واسع، يطرح تساؤلات حول منهجية تدبير الملفات العمومية. التأجيل هنا مكلف جدا، وله تداعيات سلبية متعددة:
- كلفة قانونية: الفاعلون لا يعرفون مدى مسؤوليهم القانونية.
- كلفة اقتصادية: الوسائط المنظمة والخاضعة للقانون والضرائب تخسر لصالح وسطاء عابرين للحدود.
- كلفة سيادية: انتقال الميزانيات والمعطيات إلى منصات خارج السيطرة الوطنية.
- كلفة صحية: انتقال الرسائل الحساسة نحو الفضاءات الأقل قابلية للمراقبة.
يُتيح مجلس المستشارين اليوم فرصة أخيرة لمعالجة هذا الخلل المنهجي، ليس لإبطاء الإصلاح، بل لضمان فعاليته. فالقانون الجيد لا يكتفي بإعلان المبدأ، بل ينظم شروط تطبيقه بوضوح. الرهان ليس بين الصحة العامة والنشاط الإشهاري، بل في ضمان مرور الاتصالات الممكنة قانونا عبر مسارات مسؤولة وقابلة للتتبع، بدل تركها فريسة لغموض يحالف المتجاوزين ويعاقب الملتزمين.