دراسة قطرية تطور مفهوم الإضاءة الذكية للمدن الحديثة
نشرت دورية "سيتي آند إنفايرونمنت إنتراكشنز" دراسة رائدة أعدها باحثون من جامعة قطر، تعيد تعريف مفهوم الإضاءة الحضرية وتحولها من مجرد أداة للرؤية الليلية إلى وسيلة نفسية واجتماعية تشكل علاقة المواطنين بالمساحات العامة.
منهجية البحث المبتكرة
اختار الباحثون ممشى الواجهة البحرية في منطقة المارينا بمدينة لوسيل القطرية كمختبر طبيعي لاختبار فرضياتهم. يوضح الدكتور نازال نازار، الباحث الرئيسي في قسم الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني بجامعة قطر، أن الدراسة قسمت الممشى إلى ثلاث مناطق متباينة الخصائص.
"المنطقة الأولى تتميز ببيئة نشطة وديناميكية بصرياً مع طبقات إضاءة كثيفة وعناصر مائية تفاعلية، بينما تهيمن العناصر المعمارية المميزة على المنطقة الثانية، وتحتوي المنطقة الثالثة على نسبة أعلى من المساحات الخضراء وإضاءة أكثر نعومة"، يشرح نازار.
تقنيات التحليل الثلاثية
اعتمدت الدراسة على ثلاث تقنيات متكاملة: حصر الإضاءة لقياس شدة الضوء وحرارة اللون، ومراقبة السلوك لرصد أنماط حركة المستخدمين، واستطلاع آراء 40 مشاركاً حول تجربتهم النفسية والاجتماعية مع الإضاءة.
"استخدام الطرق الثلاث معاً هدف إلى تعزيز موثوقية النتائج، فبينما رصدت الاستبيانات التجارب الذاتية، قدمت مراقبة السلوك أدلة موضوعية حول كيفية استخدام المستخدمين للمكان فعلياً"، يضيف الباحث.
نتائج تعيد تعريف الإضاءة المثلى
كشفت النتائج أن الإضاءة المثلى تتراوح بين 10 و15 لوكس، وهي درجة متوسطة تحقق التوازن بين الأمان والراحة البصرية. كما أظهرت أن الألوان الدافئة (3000-3500 كلفن) تعزز الشعور بالراحة وتشجع التفاعل الاجتماعي، بينما يفضل أكثر من 80% من المشاركين الضوء الأبيض الدافئ للاستخدام اليومي.
وأشارت مراقبة السلوك إلى أن 40-45% من الأشخاص اختاروا الجلوس في مناطق مضاءة بشكل متوازن، فيما فضل 25-30% مناطق أهدأ وأقل إضاءة للتأمل.
الإضاءة الذكية والتكيفية
تقترح الدراسة تطبيق مفهوم الإضاءة الذكية والتكيفية، والتي تعني تنويع أساليب الإضاءة حسب الوظيفة المطلوبة من كل منطقة، بدلاً من تطبيق حل موحد على مستوى المدينة بأكملها.
يشرح نازار هذا المفهوم قائلاً: "يمكن تطبيق استراتيجيات تكيفية تسمح للسطوع ودرجة حرارة اللون بالاستجابة لوقت الليل وكثافة المشاة. خلال ساعات المساء الأولى، تحافظ ممرات الحركة على إضاءة معتدلة لدعم السلامة، بينما تستخدم مناطق التجمع ألواناً دافئة لتعزيز التواصل الاجتماعي".
تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة
أظهرت النتائج أن 74% من المشاركين شعروا بالارتباط النفسي بالمكان عندما كانت الإضاءة مصممة بعناية، مما يؤكد دور الضوء في تعزيز الانتماء المكاني. كما لوحظت اختلافات ديموغرافية، حيث انجذب الشباب أكثر للإضاءة الديناميكية والملونة، بينما فضلت العائلات وكبار السن الإضاءة المتساوية والمعتدلة.
تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو تطوير معايير جديدة للتخطيط الحضري تراعي البعد النفسي والاجتماعي للإضاءة، مما يساهم في خلق مساحات عامة أكثر جاذبية وحيوية في المدن الحديثة.