التحطيب المصري: تراث فرعوني يتحدى الزمن في صعيد مصر
في عمل توثيقي استثنائي، يسلط الباحث المصري بحبح فكري الحباظي الضوء على واحدة من أعرق الفنون القتالية في التاريخ الإنساني، من خلال كتابه "التحطيب وأعلامه في جنوب مصر" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب.
إرث حضاري يمتد لآلاف السنين
تُعتبر لعبة التحطيب أو "العصا" من الفنون التراثية الضاربة في عمق التاريخ المصري، حيث مارسها الفراعنة ونقشوا فنونها على جدران المعابد. هذا الفن القتالي الذي يجمع بين الدفاع عن النفس والأداء الاستعراضي الراقص، لا يزال يُمارس في قرى ونجوع الصعيد، حيث يحظى مشاهير اللعبة بالاحترام والمكانة الاجتماعية المرموقة.
مشروع توثيقي شامل
استغرق الباحث الحباظي، وهو معلم في مدرسة ثانوية فنية من قرية دندرة بمحافظة قنا، عامين كاملين لجمع سير 239 لاعباً من مشاهير التحطيب في محافظات أسوان والأقصر وقنا وسوهاج. تنقل بين 95 قرية ونجعاً و28 مدينة في جنوب الصعيد، مستغلاً أيام الإجازات والعطلات لتوثيق هذا الإرث الثقافي الثري.
أساطير اللعبة عبر التاريخ
يبرز من بين أعلام التحطيب اللاعب متولى إبراهيم عوض عرنوس المعروف بـ"متولى السمطى"، والذي يُعتبر أسطورة اللعبة في محافظتي قنا والأقصر.
كما يروي الكتاب قصة مثيرة للاعب محمد بخيت الملقب بـ"مصرى بخيت" من قرية الجمالية، والذي فاز في مباراة أمام الملك فاروق، حيث استطاع بمهارته العالية إسقاط طاقية منافسه دون إلحاق الأذى به، فحصل على مكافأة 15 جنيهاً، وهو مبلغ كان يعادل ثمن فدان كامل آنذاك.
قصص إنسانية ملهمة
يتضمن الكتاب قصصاً إنسانية مؤثرة، مثل قصة اللاعب ياسين محمد حسين من مركز إدفو، الذي تمكن من احتراف اللعبة بذراع واحدة بعد تعرضه لحادث أدى إلى بتر إحدى ذراعيه.
وقصة اللاعب محمود الصن من قرية البعيرات، الذي يواصل ممارسة اللعبة رغم إصابته بالفشل الكلوي ومتابعة جلسات الغسيل الكلوي ثلاث مرات أسبوعياً.
تقاليد وآداب اللعبة
تتميز لعبة التحطيب بقواعد أخلاقية صارمة، حيث يجب على المتنافسين تبادل الأحضان في نهاية اللعبة تعبيراً عن المودة والاحترام. كما تتطلب اللعبة مهارات عالية في الخفة والرشاقة والثبات، ويُؤدى على إيقاعات الطبول والمزمار البلدي.
يؤكد المؤلف أن كتابه هو الأول من نوعه على مستوى مصر والعالم العربي في توثيق سير لاعبي التحطيب، مما يجعله مرجعاً مهماً للباحثين المهتمين بالتراث الثقافي والفنون الشعبية في المنطقة العربية.