التصعيد الإسرائيلي في لبنان يهدد مسار التفاهم الأمريكي الإيراني
شن الجيش الإسرائيلي، صباح الثلاثاء 9 يونيو/حزيران، غارات على مناطق في مدينة صور جنوبي لبنان، بعد إصدار أوامر بإخلاء عدد من الأحياء. وأفادت وزارة الصحة اللبنانية بحصيلة أولية تشير إلى مقتل 8 أشخاص وإصابة 32 آخرين، فيما لا تزال أعمال رفع الأنقاض متواصلة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة كونها المرة الأولى التي يطالب فيها الجيش الإسرائيلي بإخلاء الحي المسيحي في المدينة، إلى جانب المخيمات والأحياء المحيطة. وبررت إسرائيل أوامر الإخلاء بوجود عناصر من حزب الله في المناطق المستهدفة، وهو ما يعكس امتداد التصعيد العسكري ليشمل مناطق مدنية لم تكن في صلب المواجهات السابقة، مما يطرح مخاوف جدية حول انجرار لبنان إلى مواجهة إقليمية لا مصلحة وطنية له فيها.
المواجهة المباشرة وتحذيرات إسرائيلية
جاء هذا القصف بعد يوم واحد من تهديد طهران بـرد قاس في حال استمرار الاستهداف الإسرائيلي لجنوب لبنان. وفي تعليقه على توقف القصف المتبادل مع إيران، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الإثنين، أن النار على هذه الجبهة توقفت في الوقت الحالي، محذرا من أن ارتكاب النظام في طهران خطأ مهاجمتنا مرة أخرى سيقابل برد قوي. ويصر نتنياهو على احتفاظ إسرائيل بحق الرد على أي تهديد، سواء صدر من إيران مباشرة أو من حلفائها في المنطقة.
من جهته، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس باستهداف معاقل حزب الله في الضاحية الجنوبية من بيروت، حال استهداف الحزب مناطق في شمال إسرائيل. ويكشف هذا التوجه عن تصعيد في الخطاب العسكري الإسرائيلي يضع الساحة اللبنانية على حافة انزلاق أوسع.
الورقة اللبنانية في المفاوضات الأمريكية الإيرانية
على الصعيد الدبلوماسي، تصر إيران على ربط التصعيد في لبنان بمصير أي اتفاق لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة. ويؤكد المسؤولون الإيرانيون أن أي تفاهم لن يستقر إذا واصلت إسرائيل ضرباتها في لبنان، وهو ما يطرح تساؤلات حول استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط في الملف الإيراني، على حساب السيادة اللبنانية والحياد الذي يحمي المصالح الوطنية.
قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن بلاده تتبادل الرسائل مع واشنطن في أجواء من الشك الشديد، معتبرا أن التحركات الإسرائيلية في لبنان تهدف إلى تخريب الدبلوماسية.
وأعلنت القيادة الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية (مقر خاتم الأنبياء) وقف عملياتها الهجومية ضد إسرائيل، لكنها حذرت من اتخاذ إجراءات أشد وأكثر سحقا في حال استمرت الأعمال العدائية، بما في ذلك في جنوب لبنان. ويوضح هذا الموقف مدى هشاشة وقف إطلاق النار الحالي، حيث تعتبر طهران أي تحرك عسكري إسرائيلي في لبنان مساسا بخطوطها الحمراء.
مساعي ترامب لاحتواء الأزمة
في المقابل، تبدو واشنطن أكثر قلقا من أن يؤدي استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان إلى نسف المسار الدبلوماسي مع إيران. وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، أن المفاوضات النهائية مع إيران تمضي قدما، ما لم يعرقلها الجهل أو الحماقة.
وفي مسعى لتأكيد سيطرته على زمام الأمور، صرح ترامب في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لن يكون أمامه أي خيار سوى قبول أي اتفاق تتوصل إليه واشنطن مع طهران، مضيفا: أنا من يقرر. أنا من يقرر كل شيء. هو لا يقرر.
كما نقل موقع أكسيوس الأمريكي عن ترامب قوله إنه حذر نتنياهو قائلا: بيبي، من الأفضل أن تكون حذرا، وإلا فستجد نفسك وحيدا قريبا جدا. وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على هشاشة وقف إطلاق النار، خاصة بعد الهجوم المتبادل الأخير الذي كشف أن أي تصعيد غير محسوب في لبنان قد يتحول سريعا إلى مواجهة إقليمية مباشرة تهدد استقرار المنطقة بأسرها.