نشرت صحيفة «المدن» في 31 أكتوبر 2026 تحليلاً فكرياً ونسائياً مطوّلاً حول ظاهرة الملل، يذهب إلى أن هذه الحالة الشائعة ليست مجرد فراغ في الجدول اليومي، بل عرَضاً لأزمة أعمق تعيشها المجتمعات الغربية والمعاصرة عموماً، في ظل هيمنة ثقافة الاستهلاك والتقنية والسعي الدائم نحو الإنتاج. التحليل يستحضر أسماء فلسفية وعلمية بارزة، من فرويد إلى شوبنهاور، ومن علماء النفس المعاصرين، ليضع «الملل» تحت مجهر النقد الثقافي.
وتأتي هذه القراءة في لحظة يزداد فيها الغموض حول مستقبل المنطقة والعالم، مع نقاشات متجددة حول
الملل ليس فراغاً بل إشارة معقّدة
يستفتح التحليل، الذي نشرته
ويقول الممثل الأميركي ماتيو ليدو، الذي يستشهد به المقال: «لطالما كنت شغوفاً بكل ما يحيط بي، حتى وإن كانت المواقف التي عاصرتها تتسبب لي بالمتاعب أو الألم»، معتبراً أن حياته «تشبه رحلةً واسعةً من الاكتشاف والتعلم» دفعته للتأمل في هذه الحالة الغريبة، وبالأخص في «الرغبة الملحّة» للتفكير في طريقة تفكيره ذاتها.
ويشدد الكاتب على أن الملل ليس مساحة فارغة يمكن ملؤها بمزيد من الأنشطة، بل حالة تتسم بالهروب المستمر والقلق أمام وقت غير منظّم. ويربط المقال بين هذا الفرار من الفراغ وبين تفاقم السلوكيات الإدمانية، مثل تصفّح الهاتف والبحث الدائم عن مشتتات، بدلاً من التوقف للتأمل والتفكير.
ماذا تقول الدراسات العلمية عن الملل؟
يشير المقال إلى دراسات حديثة، منها أعمال عالمة الاجتماع «مورين ك. أوديا» وزملائها، تُظهر أن الملل المزمن يرتبط غالباً بفقدان المعنى أو غياب الامتنان في الحياة اليومية، وأن هذه الحالة يمكن التخفيف منها عند استعادة منظور هادف للوجود.
كما يتناول التحاليق ظاهرة «Bore-out» أو الملل في بيئة العمل، حيث يؤدي نقص التحفيز وتكرار المهام الرتيبة إلى شعور عميق بتدني القيمة الذاتية والإرهاق والذنب، مع تداعيات جسدية ونفسية بالغة. ويتناول الملف أيضاً حالة المصابين باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، بالنسبة لهم يمثل الملل ضيقاً شديداً.
ويفيد اختصاصي النفس السريري وأستاذ جامعة يورك جون إيستوود، الذي يستشهد به المقال، بأن دراسة ظاهرة الملل يجب أن تركز على التفاعلات بين العمليات المعرفية والمشاعر. ويقول: «عندما أخبر الناس بطبيعة عملي، أدرك تماماً أنهم يتساءلون عن سبب الرغبة في دراسة الملل؛ أليس هذا موضوعاً مملاً للغاية؟». ويركز إيستوود حالياً على دراسة تجربة الملل والجهد الذهني لدى المصابين باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط.
كيف حوّلنا الاستهلاك إلى مدمنين على الهروب من الفراغ؟
من زاوية النقد الثقافي، يرى الكاتب أننا صرنا نستهلك أنشطتنا وأوقات فراغنا ومعلوماتنا، بل وحتى أصدقاءنا، وفقاً لرغباتنا فقط لتجنب الملل. ويصف الحالة بعبارة بليغة: «وكأننا نحلٌّ فقد فطرته السليمة، ننتقل من نشاط إلى آخر مما يوفره لنا عالم الاستهلاك، ولا نتبع سوى أوامر اندفاعاتنا الآنية».
ويطرح التحليل سؤالاً وجودياً: «أين تلاشى شغفنا؟ وأين ذهب انخراطنا الواعي والمدروس في الأشياء؟»، موضحاً أن مجتمعات نشأت في ظل التلفاز والربحية والانشغال المهووس بمثالية النجاح الاقتصادي فقدت صلتها بجوهر الحياة.
ويشير المقال إلى أن القرن العشرين أنهى سيادة «مبدأ الواقع»، على الأقل في الغرب، معتبراً أن هذا «الفرط في الانخراط في الفعل والنشاط» خلق مرضاً جديداً أشد ضرراً هو «التوتر» (Stress). ويستشهد الكاتب بملاحظة معروفة حول وجود «ضيق» أو «اعتلال» (Malaise) في ثقافتنا، مؤكداً أن الرغبة الخفية في القضاء على الملل ليست سوى أحد أعراضه الرئيسة.
أزمة الإنسان المعاصر: من فرويد إلى لاروشفوكو
الإنسان المعاصر، بحسب التحليل، إنسان عصبي يعاني في «مجتمع الاستهلاك» الذي أسسه بنفسه. ففي ظل النظام الرأسمالي، يندفع الفرد نحو الاستهلاك والاستمتاع ملبياً رغباته ضمن إطار معد سلفاً، في «تقديس للمتعة المشتراة» يخلط المرء واهماً بينها وبين السعادة.
ويستحضر الكاتب سيغموند فرويد ومفهوم «ال هو» (le ça)، إضافة إلى فلاسفة الريبة لاروشفوكو وشوبنهاور، اللذين رأيا أن الدوافع الأنانية تكمن خلف كل فعل بشري، حتى تلك التي تبدو مجانية أو سخيفة. ويشدد الكاتب على أن ما نضعه اليوم في «الوعاء الكبير» الذي نسميه «الشخصية»، من طموحات وأذواق ورغبات وآراء، ليس سوى تجليات منبثقة من الأعماق الغريزية لكل فرد.
كما يستشهد المقال بالفيلسوف الفرنسي فريديريك فانجيون الذي يقول: «لم ندرك قط، قبل الآن، أننا لسنا سوى كائن حي من بين كائنات كثيرة، وأننا مجرد جزء من هذا الكون- الأحجية الذي كنا نعتبره ملكاً خاصاً بنا. فهل ينبغي علينا، إذن، أن نحترم هذا العالم الآن؟».
هل يمكن أن يكون الملل طريقاً للتأمل والمعنى؟
يخلص التحليل إلى أن التوجس من الملل ليس سوى علامة على انفصال تام للإنسان عن طبيعته، واتساع متزايد للفجوة بين الإنسانية وجوهر هذا العالم. ويطرح سؤالاً جوهرياً: «أليس السعي للقضاء على الملل، في جوهره، محاولة مرضية للقضاء على ذواتنا؟»، معتبراً أن الملل ربما يكون حالة تتيح تأملاً عميقاً في أنفسنا، وأن غياب الفعل قد يكشف حقيقتنا كما هي، من دون تجميل.
ويختم المقال بالتأكيد على أهمية «السياق الإنساني» في التعامل مع الملل، مشيراً إلى أن الشخص الذي يشعر بالملل يضع «الآخر» أمام اختبار يتعلق باستراتيجياته في التعامل مع رغباته. ويرى الكاتب أن «المثابرة القائمة على المودة»، تلك القادرة على استيعاب حالات الفقد المتتالية ووضعها في سياقها الصحيح، هي السبيل، بل والحافز، للخروج من حالة الملل.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين الملل والفراغ؟
الفراغ هو غياب الأنشطة، أما الملل فهو حالة معقدة تعبّر عن افتقار إلى المعنى أو التحفيز أو الانخراط، ولا يمكن معالجتها بمجرد إضافة أنشطة جديدة، بحسب التحليل المنشور في «المدن».
هل يرتبط الملل المزمن بمشكلات نفسية؟
تشير دراسات حديثة، منها أعمال عالمة الاجتماع مورين ك. أوديا وزملائها، إلى أن الملل المزمن يرتبط غالباً بفقدان المعنى أو غياب الامتنان في الحياة اليومية، كما يرتبط بما يعرف بـ«Bore-out» في بيئة العمل.
كيف يمكن الخروج من حالة الملل؟
يرى المقال أن استعادة منظور هادف للوجود، إضافة إلى «المثابرة القائمة على المودة» في العلاقات الإنسانية، هي السبيل الأساسي للخروج من الملل، بدلاً من الهروب نحو الاستهلاك والمشتتات.
