العراق: تحديات تشكيل الحكومة بين الضغوط الأمريكية والتوازنات الداخلية
تواجه العملية السياسية في العراق تحديات معقدة في تشكيل الحكومة الجديدة، بعد مرور ثلاثة أشهر على الانتخابات التشريعية التي جرت في نوفمبر الماضي. وقد تصاعدت هذه التحديات إثر موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الرافض لترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لتولي المنصب مرة أخرى.
ترشيح مثير للجدل
رشح الإطار التنسيقي، التحالف السياسي الجامع للكتل الشيعية، المالكي للمنصب في 24 يناير بالأغلبية وليس بالإجماع كما جرت العادة سابقاً. وجاء رد الفعل الأمريكي سريعاً، حيث أعلن ترمب في 28 من الشهر ذاته عبر منصته "تروث سوشيال" رفضه هذا الترشيح، مهدداً بإيقاف الدعم الأمريكي لبغداد.
أثار هذا الموقف عاصفة سياسية داخل العراق، حيث أبدت بعض أطراف الإطار امتعاضها مما وصفوه بـ"التدخل الأمريكي"، بينما رأى آخرون ضرورة مراعاة مصالح العراق الذي "تتحكم الولايات المتحدة في إيراداته الدولارية المتأتية من بيع نفطه".
مرونة في الموقف
رغم إصرار ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي على المضي في الترشح، أظهر الأخير مرونة في حوار تلفزيوني حين قال إن "الإطار التنسيقي هو صاحب الحق في ترشيح شخصية رئيس الوزراء"، مؤكداً أنه "سيستجيب لقراره بكل رحابة صدر في حال قرر العدول عن ترشيحه".
المالكي البالغ من العمر 75 عاماً شغل منصب رئاسة الوزراء لدورتين متتاليتين بين 2006 و2014، وشهدت ولايته الأخيرة سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة من البلاد.
تحليل المشهد السياسي
ينفي الباحث السياسي صلاح بوشي المقرب من ائتلاف دولة القانون أن يكون تصريح المالكي استجابة لضغط خارجي، معتبراً إياه "موقفاً مسؤولاً يعكس أن الترشيح قرار مؤسسي وليس شخصياً". ويشدد على أن "القرار العراقي يجب أن يُصنع داخل بغداد لا خارجها".
من جهته، يؤكد أحمد الوندي المتحدث باسم ائتلاف النصر أن الأولوية يجب أن تكون "لبناء معادلة سياسية مستقرة، تقوم على التفاهم والتوازن بين القوى الوطنية". ويشير إلى أن "الاستقرار الحقيقي لا يُصنع بالإيقاع السريع، بل بتوافقات ناضجة تحفظ التوازن".
معارضة واسعة
يواجه ترشيح المالكي معارضة من عدة جهات، حيث أقر المجلس السياسي السني بأغلبية الثلثين "ضرورة مراعاة المصلحة الوطنية في اختيار رئيس الوزراء"، كما عارضته الأحزاب الكردية الرئيسية وتحالفات شيعية أخرى مثل تيار الحكمة وائتلاف النصر.
يتوقع الباحث السياسي محمود عزو من جامعة الموصل أن ينسحب المالكي "في نهاية المطاف من الترشح، بعد أن أدرك حجم الرفض الكبير داخلياً وخارجياً".
التحديات المقبلة
تبرز التحديات الاقتصادية كعامل ضغط مهم، خاصة مع التهديدات الأمريكية بإيقاف المساعدات. كما تشير التطورات إلى إمكانية تغيير التوازنات السياسية في جميع مفاصل الحكم، وصولاً إلى الحكومات المحلية.
يرى المحللون أن حسم شخصية رئيس الوزراء سيحتاج عدة أسابيع، في ظل معادلة معقدة تتضمن اعتبارات إقليمية ودولية، إلى جانب الحاجة لتحقيق توازن داخلي يضمن الاستقرار السياسي في البلاد.