الانتظار أمام مراكز البكالوريا: ضغط نفسي يستنزف التلاميذ
مع انطلاق الامتحانات الإشهادية، خاصة الامتحان الوطني الموحد لنيل شهادة البكالوريا، تعود إلى الواجهة ظاهرة الانتظار الطويل لأولياء الأمور أمام بوابات مراكز الاختبار لساعات تحت أشعة الشمس. ورغم أن هذا السلوك ينطلق من دافع عاطفي لدعم الأبناء، فإن مهتمين بالشأن التربوي يحذرون من خطورة «الضغط النفسي الارتدادي» الذي يفرزه هذا المشهد؛ إذ تتحول نظرات القلق على الأرصفة إلى شحنات توتر تعبر أسوار المدارس، لتستقر كعبء إضافي فوق كاهل التلميذ وذهنه.
تأثيرات سوسيولوجية ونفسية
في هذا الصدد، أوضح الخبير التربوي جمال شفيق أن ما نشاهده اليوم يظهر بوضوح استفحال ظاهرة سلبية تتمثل في مرافقة الآباء والأمهات لأبنائهم إلى مراكز الامتحانات والتجمهر أمامها. وأشار إلى أن التلميذ في هذه المرحلة العمرية يعد ناضجاً وكبيراً بما يكفي، ولا بأس بأن يقوم أولياء الأمور بإيصاله بالسيارة في الوقت المحدد والاطمئنان عليه حتى يدخل قاعته، إلا أن بقاءهم وتكتلهم أمام المؤسسات التعليمية بتلك الطريقة يظل أمراً غير مقبول.
وأضاف شفيق أن هذه التجمعات العشوائية تنعكس سلباً على نفسية التلاميذ وتزيد من توترهم؛ إذ يصبح وجود الآباء والأمهات في هذه الحالة مصدراً للضغط النفسي ومضاعفة القلق، وخاصة لدى التلاميذ الذين يلمحون أمهاتهم ينتظرن في الخارج طوال فترة الاختبار. وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم المشاكل النفسية والصحية في حالة الرسوب. كما أن اختلاط الجمهور واختلاف خلفياتهم الثقافية يفتح الباب للأحاديث السلبية والشائعات، مما يشوش على الأجواء العامة للامتحانات ويزيد من حدة التوتر.
دور مجتمع المدني والجمعيات الأهلية
وشدد شفيق على دور جمعيات الآباء والأمهات، كفاعل أساسي في مجتمع مدني، ينبغي لها التدخل لتوعية الأسر والحد من هذه السلوكيات. فلا مانع من أن يقل الآباء أبناءهم قبل الامتحان بربع أو نصف ساعة، ولكن التجمهر واحتلال الأرصفة ومحيط المؤسسات يفقد هذا الاستحقاق الوطني طبيعته العادية كاختبار روتيني، ويحوله إلى مظهر مشحون بالتهويل.
ضرورة الانسحاب الفوري واحترام الاستقلالية
في سياق ذي صلة، ذكر نور الدين عكوري، رئيس فيدرالية آباء وأمهات وأولياء التلاميذ بالمغرب، أن الانتظار الطويل للأمهات والآباء أمام أبواب المؤسسات التعليمية لا يصب بتاتاً في مصلحة التلميذ. فرغم أنه يمكن للأمهات أو الآباء مرافقة أبنائهم حتى باب المدرسة لضمان دخولهم بأمان، ولا سيما الفتيات لحمايتهن في الفضاء العام، فإن الصواب يقتضي الانسحاب فوراً بعد ذلك، ثم العودة مجدداً لاستقبالهم مع اقتراب موعد خروجهم. أما البقاء لعدة ساعات متواصلة أمام المؤسسة، فهو أمر غير مقبول ولا يعود بأي نفع.
وأضاف عكوري أن هذا التواجد المستمر يلقي بظلاله سلباً على نفسية التلميذ، الذي يشعر تلقائياً بعبء نفسي وثقل كبير على عاتقه؛ فبالإضافة إلى ثقل الامتحان نفسه وضرورة التهيؤ للإجابة، يجد التلميذ نفسه محاطاً بضغط إضافي ناتج عن رؤية والدته أو والده ينتظرانه في الخارج تحت أشعة الشمس والمعاناة. هذا الوضع يولد لديه ضغطاً نفسياً مزدوجاً، ومن المعلوم أن امتحانات البكالوريا كفيلة وحدها بإنتاج مستوى عالٍ من التوتر، وحينما يتضاعف هذا الضغط يقل تركيز التلميذ بشكل ملحوظ، مما يؤدي إلى تشتت أفكاره بسبب القلق الزائد.
ودعا رئيس الفيدرالية أولياء أمور التلاميذ إلى الاكتفاء بتوصيل أبنائهم وبناتهم إلى مراكز الامتحانات ثم المغادرة فوراً، والعودة فقط عند انتهاء الاختبار لنقلهم إلى المنازل. مشدداً على ضرورة تجنب التجمعات وتشكيل طوابير بشرية أمام المؤسسات، لما تخلفه هذه السلوكيات من تناقل للأخبار المغلوطة والشائعات التي لا تجلب في نهاية المطاف إلا المشاكل والمزيد من القلق، داعياً إلى تبني مقاربة عقلانية تحترم استقلالية التلميذ وراحته النفسية.