اتفاق واشنطن: هل يستعيد لبنان احتكار سلاحه أم ينزلق نحو الفتنة؟
في السادس والعشرين من حزيران الجاري، وقّعت سفيرتا بيروت وتل أبيب في واشنطن اتفاقا إطاريا يُفترض أن يُخرج لبنان من حلقة الحرب. غير أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فور توقيع الاتفاق، والتي ربطت الانسحاب من الحزام الأمني بنزع سلاح حزب الله، أعادت مسألة احتكار الدولة للسلاح إلى الواجهة. لبنان اليوم أمام اختبار جوهري: إما استعادة سيادة المؤسسات على كامل أراضيه، أو الانزلاق نحو احتكاك داخلي تُغذيه تدخلات إقليمية.
ماذا ينص الاتفاق الإطاري الموقّع في واشنطن؟
يُلزم الاتفاق لبنان بنزع سلاح حزب الله وفق مسار محدد بمهل زمنية، وهو مبدأ يتقاطع مع اتفاقية الطائف وقرارات الشرعية الدولية القاضية بحصر السلاح بيد الدولة. في المقابل، يمنح الاتفاق إسرائيل هامشا واسعا للتحرك تحت غطاء الدفاع عن النفس، ويضع أراضي لبنانية تحت ما سُمي مناطق تجريبية يكون الطرف الإسرائيلي ذاته من يقيس مدى نجاح الدولة اللبنانية في إدارتها.
المفارقة البنيوية في هذا الاتفاق أن حزب الله، وهو الطرف الذي يمتلك السلاح فعليا، ليس طرفا في التوقيع أصلا. هذا الغياب يطرح سؤالا جوهريا حول قابلية التنفيذ: كيف تُطبق بنود لا يلتزم بها من يحمل السلاح على الأرض؟
هل يُعد الاتفاق مقدمة لفتنة داخلية في لبنان؟
يُجمع المحللون على أن الاتفاق لا يشعل حربا أهلية بصورة مباشرة، لكنه يفتح أمام لبنان مرحلة طويلة من الضغوط المتراكمة التي قد تنزلق، في أي لحظة، من الاحتكاك السياسي إلى الاحتكاك الأمني. وفي هذا السياق، يعدد العميد منير شحادة، الخبير العسكري ومنسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات اليونيفيل، ثلاثة عوامل تحول دون الانزلاق السريع:
- قيادة الجيش اللبناني ستتفادى الصدام المباشر لأنها تدرك أن ذلك يهدد تماسك المؤسسة وتركيبتها الداخلية المتنوعة سياسيا.
- حزب الله يتجنب الحرب الداخلية تاريخيا لأنها تتحول إلى صراع طائفي مذهبي يستنزفه أكثر مما تستنزفه مواجهته مع إسرائيل.
- أغلب القوى السياسية اللبنانية، مهما اختلفت، لا تريد تكرار تجربة عام 1975.
ويلخص شحادة الاحتمال الأكثر ترجيحا بأنه ليس حربا أهلية شاملة، بل مرحلة طويلة من الضغوط والاشتباكات المحدودة والأزمات السياسية ومحاولات فرض أمر واقع بالتدريج.
التدرج مقابل التنفيذ الفوري
يحذر الباحث في مركز الجزيرة للدراسات الدكتور شفيق شقير من أن الاتفاق غير قابل للحياة إذا جرت محاولة تنفيذه كما هو معلن اليوم، في ظل رفض حزب الله المطلق. لكنه يميز بين مسارين: التنفيذ الحرفي السريع يحمل قابلية لإنتاج أزمة داخلية حادة، بينما التدرج مع تسويات سياسية وحوار داخلي يفتح نافذة لاحتواء التوتر. ويضيف شقير أن المحك الحقيقي هو إرادة الأطراف المحلية والإقليمية في تجنب الانفجار، لا مجرد نصوص الاتفاق المكتوبة.
كيف أعاد الاتفاق رسم المعادلة اللبنانية؟
أحدث الاتفاق تحولا مهما بعيدا عن المشهد الإعلامي. فبينما كانت الضغوط في مسار سويسرا تتجه نحو ربط تثبيت وقف إطلاق النار بانسحاب إسرائيلي، أعاد الاتفاق رسم المعادلة فجعل نزع السلاح شرطا أساسيا في إنهاء القتال والانسحاب الإسرائيلي. هكذا انتقل مركز الثقل من المواجهة مع الخارج إلى مسألة احتكار الدولة للسلاح في الداخل، وهو انتقال يطرح تحديات بنيوية عميقة تتجاوز الاتفاق نفسه.
في هذا السياق، يرى مدير مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير هادي قبيسي أن الاتفاق محاولة لإيجاد بديل عن سيناريو الحرب الإقليمية التي فشلت، مشيرا إلى أن واشنطن وتل أبيب لجأتا إلى إيجاد فتنة محلية كخيار بديل. غير أن قبيسي يستدرك محذرا من محدودية هذا السيناريو، مستحضرا أن المقاومة انطلقت أصلا في ظروف الحرب الأهلية في الثمانينيات واستمرت وتطورت رغم ذلك.
أما المحلل السياسي أمين قمورية فيطرح سؤالا حول النوايا الأمريكية: هل تريد واشنطن فعلا انتزاع ورقة لبنان من يد إيران، أم أنها توظفها من أجل الضغط في مفاوضات أكبر وأشمل تتصل بالملف النووي الإيراني ومضيق هرمز؟ سؤال يضع الاتفاق في سياق أوسع من اللعبة اللبنانية الداخلية.
رفض حزب الله: أي هامش متبقٍ للمناورة؟
في اليوم التالي للتوقيع، وقبل أن تهدأ أصداء واشنطن، أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رفضه المطلق لكل بنود الاتفاق، واصفا إياه بأنه يضفي شرعية على الوجود العسكري الإسرائيلي ويتجاوز كل الخطوط الحمراء. هذا الرفض القاطع يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة معقدة: كيف تنفذ التزاماتها الدولية في ظل وجود قوة عسكرية موازية لا تعترف بهذه الالتزامات؟
يرى قمورية أن حزب الله سيختار في المرحلة الراهنة التمهل انتظارا لمسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية. فإن أسفرت عن اتفاق يمنح لبنان مكاسب تغيرت المعادلة، وإن لم تثمر بقي الحزب في موقع الرفض دون الاندفاع نحو مواجهة مسلحة مع الدولة.
يحدد شقير ثلاثة عناصر تقوي هامش مناورة حزب الله حاليا: قاعدته الشعبية، التحالف مع حركة أمل والدعم الإيراني المستمر، والبنية التنظيمية التي بقيت متماسكة رغم الخسائر الفادحة. غير أنه يقر في الوقت ذاته بأن هامش مناورة الحزب في تراجع قياسا بما كان عليه قبل الحرب، لأن انخراطه في نزاعات داخلية سيكون أخطر عليه من أي مواجهة مع إسرائيل لأنها ستتحول إلى حرب طائفية مذهبية.
ويوافقه العميد شحادة بأن الحزب سيحاول كسب الوقت أكثر من البحث عن مواجهة جديدة، إلا إذا شعر بأن الاتفاق يتحول إلى مسار يؤدي إلى نزع قوته بالكامل، فعندها فقط قد تتغير حساباته جذريا.
الرقابة الدولية: أداة ضغط أم ضمانة للتطبيق؟
جاء الاتفاق بآلية ثلاثية تضم الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، في حين أُخرجت فرنسا عمليا من الصورة رغم أنها كانت شريكا في آلية الرقابة المنشأة عقب اتفاق تشرين الثاني 2024. يشير شقير إلى نقطة ضعف جوهرية في هذا الإقصاء: الولايات المتحدة باتت الطرف الخارجي الوحيد المشرف على التنفيذ، في حين كانت فرنسا أكثر توازنا وأقل انحيازا، مما يضاعف الضغوط على الدولة اللبنانية ويضيق هامش مناورتها في ملف نزع السلاح.
يقر الخبير العسكري شحادة بأن الرقابة الأمريكية تمثل أداة ضغط، لكنه يستدرك بأن واشنطن تدرك أن الضغط المفرط قد يفجر الداخل ويفشل الاتفاق بالكامل وهو ما لا يخدم مصالحها، لذا سيكون المرجح اعتماد سياسة الضغط التدريجي أكثر من فرض مواجهة فورية.
أما قبيسي فيلخص المعادلة كلية بالقول: إذا كان الجيش غير مستعد للدخول في اشتباك مع المقاومة فإن الاتفاق يسقط تلقائيا. وبهذا المعنى، تصبح الرقابة الدولية ورقة ضغط على الدولة اللبنانية قبل أن تكون ضمانا للتطبيق.
لبنان عند المفترق: ما العوامل الحاسمة؟
بين التوقيع في واشنطن وتباين المواقف في بيروت، يبقى الاتفاق الإطاري ذا لون رمادي أكثر منه بوابة واضحة نحو الاستقرار. وتتحدد ملامح مساره ونجاحه وفق ثلاثة عوامل:
- مدى التزام الأطراف الإقليمية، لا سيما إيران، بتجنيب لبنان الانفجار الداخلي بدل استخدامه كورقة ضغط في مفاوضات أكبر.
- قدرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها على بناء توافق داخلي يدعم استعادة احتكارها للسلاح وفرض سيادتها.
- نهج الرقابة الدولية بين الضغط التدريجي والمواجهة المباشرة، وتأثيره على هامش المناورة اللبناني.
المؤكد أن لبنان يقف عند مفترق طريق: إما تسوية داخلية تحول هذا الاتفاق إلى فرصة للملمة أطراف الدولة ومقدراتها واستعادة سيادتها الكاملة، أو ضغط متراكم ينفجر فيخدم الاحتلال الخارجي أكثر مما يخدم أهل البلد ومؤسساتهم. الرهان اليوم على قدرة المجتمع المدني والقوى الحية في لبنان على دفع مسار الإصلاح وبناء الدولة المدنية التي تحتكر السلاح وتحمي المواطن.
هل يُلزم اتفاق واشنطن لبنان بنزع سلاح حزب الله؟
نعم، يُلزم الاتفاق الإطاري الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله وفق مسار محدد بمهل زمنية. غير أن حزب الله ليس طرفا في الاتفاق ورفض بنوده رفضا مطلقا، ما يطرح سؤالا جوهريا حول قابلية التنفيذ الفعلي على الأرض.
ما آلية الرقابة الدولية على تنفيذ الاتفاق؟
يعتمد الاتفاق آلية ثلاثية تضم الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل. أُخرجت فرنسا من هذه الآلية رغم أنها كانت شريكا في آلية الرقابة المنشأة عقب اتفاق تشرين الثاني 2024. باتت واشنطن الطرف الخارجي الوحيد المشرف على التنفيذ.
هل يُعد الاتفاق مقدمة لحرب أهلية في لبنان؟
يُجمع المحللون على أن السيناريو المباشر لحرب أهلية شاملة غير مرجح، نظرا إلى عوامل ضابطة أهمها حرص الجيش على تماسكه وتجنب حزب الله الصراع الداخلي ورفض القوى السياسية تكرار تجربة 1975. لكن الاتفاق يفتح مرحلة طويلة من الضغوط المتراكمة قد تنزلق من الاحتكاك السياسي إلى الاحتكاك الأمني إذا فشل المسار السياسي.