عاشوراء النبطية تحت الأنقاض: هدنة هشة وأثمان الحرب على المدنيين
أحيا عدد محدود من سكان مدينة النبطية في جنوب لبنان مراسم عاشوراء وسط أنقاض المباني المدمرة، في مشهد يعكس التداعيات الكارثية للحرب الأخيرة على البنية التحتية والنسيج المدني. جاءت هذه المراسم في ظل هدنة هشة رعتها واشنطن وطهران، بينما لا تزال السيادة اللبنانية غائبة أمام استمرار الاشتباكات المتبادلة والقصف الذي يطال المدنيين ومؤسسات الدولة، مما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل السيادة وضرورة احتكار الدولة لاستخدام القوة.
كيف امتزجت المراسيم الدينية بآثار الحرب في النبطية؟
شق نحو مئتي مشارك طريقهم بين أكوام الركام والخرسانة المتناثرة في شوارع النبطية، وفق تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية. فقد امتزجت المراثي الحسينية بذكريات القتلى والمفقودين، فيما كان صدى المدفعية الإسرائيلية يتردد في التلال المحيطة، كتذكير دائم بأن الحرب لم تنتهِ بعد. وعادةً، كانت المدينة تستقبل عشرات الآلاف لملء شوارعها بمواكب الحزن، لكن المشهد هذا العام بدا مختلفاً تماماً بعد أن تحولت النبطية إلى واحدة من أكثر المناطق اللبنانية تضرراً جراء المواجهة الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل.
اكتسبت المناسبة معنى مزدوجاً لسكان المدينة الذين رأوا في معاناتهم انعكاساً لسردية كربلاء. وقد أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من 3900 شخص في لبنان، معظمهم من الطائفة الشيعية، فيما تعرضت النبطية لقصف مكثف أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منها. وفي أنحاء المدينة والقرى المجاورة، انتشرت صور القتلى على الجدران، وعند مدخل بلدة حاروف المجاورة، ارتفعت لوحة ضخمة تحمل صور خمسين مقاتلاً من حزب الله قتلوا خلال الحرب. وقال إسماعيل ياغي، البالغ من العمر خمسين عاماً، إن سكان المنطقة عاشوا معركة كربلاء كل يوم خلال هذه الحرب.
ما هو الواقع الأمني والإنساني في ظل التهدئة الأميركية-الإيرانية؟
لم يكن سكان النبطية يتوقعون إحياء المراسم داخل مدينتهم بعدما أجبرت الغارات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء نحو 80 ألف نسمة على النزوح. إلا أن إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، والذي أدى إلى توقف الحرب في لبنان، أتاح عودة محدودة للسكان وأوقف تقدم القوات الإسرائيلية التي كانت على وشك السيطرة على المدينة بالكامل.
ورغم إعلان التهدئة، لم تتوقف الاشتباكات بشكل كامل، وهو ما يعكس هشاشة الاستقرار الأمني في ظل غياب السيطرة الدولة. ففي أثناء التحضيرات، استمرت أصوات المدفعية الإسرائيلية في التردد حول المدينة، وواصل الطرفان تبادل إطلاق النار داخل المنطقة التي تصفها إسرائيل بأنها منطقة أمنية في جنوب لبنان. وفي صباح الجمعة، تصاعدت حدة المواجهات عندما استهدف حزب الله قوات إسرائيلية مما أدى إلى مقتل أربعة جنود، قبل أن ترد إسرائيل بسلسلة غارات جوية على محيط النبطية وداخلها أسفرت عن مقتل 18 شخصاً وإصابة 33 آخرين.
هل تسمح الهدنة الحالية بعودة النازحين واستعادة الحياة الطبيعية؟
رغم المناسبة الدينية، لم تشهد النبطية عودة واسعة لسكانها كما حدث عقب وقف إطلاق النار الذي أنهى حرب نوفمبر 2024. واكتفى عدد محدود من الأهالي بتفقد منازلهم قبل المغادرة مجدداً خوفاً من انهيار وقف إطلاق النار. ومن بين هؤلاء المهندس حسين نحلة، البالغ 33 عاماً، الذي نزح إلى بيروت بعد تدمير منزله، لكنه عاد خصيصاً للمشاركة في المراسم. وخلال التجمع، لفتت طائرة إسرائيلية مسيرة تحلق في سماء المدينة أنظار المشاركين، في دليل على الاستمرارية في انتهاك السيادة الجوية اللبنانية.
على الأرض، تواصل فرق الدفاع المدني والمتطوعون عمليات البحث وانتشال الجثامين من تحت الأنقاض في المناطق التي أصبح الوصول إليها ممكناً. وأفاد التقرير بأن بعض المناطق لا تزال خارج متناول فرق الإنقاذ بسبب استمرار المخاطر الأمنية، إذ تعرضت سيارات إسعاف لإطلاق نار خلال محاولتها الوصول إلى مواقع جنوب المدينة لإخماد حرائق اندلعت هناك. وقال حسين فقيه، المسؤول الإقليمي للدفاع المدني، إن الواقع على الأرض لا يوحي بوجود وقف إطلاق نار مستقر، مشيراً إلى أن الأوضاع أصبحت أكثر تعقيداً وغموضاً. وفي مشهد يختزل حجم المأساة، تلقى فقيه اتصالاً أثناء المقابلة أبلغته فيه ابنته بأن منزل العائلة دمر جراء القصف الإسرائيلي.
لماذا شهدت مراسم عاشوراء في النبطية حضوراً محدوداً هذا العام؟
بسبب النزوح الجماعي لأكثر من 80 ألف نسمة إثر الغارات الإسرائيلية، إضافة إلى استمرار المخاطر الأمنية وتدمير البنية التحتية للمدينة، لم يتمكن سوى نحو 200 شخص من المشاركة في المراسم التي كانت تستقطب في الأوقات الاعتيادية نحو 30 ألف مشارك.
ما هو الوضع الأمني الحالي في جنوب لبنان رغم إعلان التهدئة؟
الوضع الأمني هش وغير مستقر، حيث تستمر الاشتباكات بين إسرائيل وحزب الله داخل ما تسميه إسرائيل المنطقة الأمنية، مع استمرار التحليق المسير والقصف المتبادل الذي يطال المدنيين ويعيق عمل فرق الإنقاذ والدفاع المدني.
من يتولى جهود الإنقاذ وإزالة الأنقاض في النبطية حالياً؟
تقوم فرق الدفاع المدني التابعة للدولة والمتطوعون المدنيون بعمليات إزالة الأنقاض وانتشال الجثامين، لكنهم يواجهون تحديات أمنية كبيرة، بما في ذلك استهداف سيارات الإسعاف والصعوبات في الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب القصف المستمر.