يسري الجندي: 4 أعوام على رحيل عملاق الدراما العربية
في التاسع من مارس، تحل الذكرى الرابعة لرحيل الكاتب والسيناريست المصري الكبير يسري الجندي، أحد أبرز رواد الدراما التلفزيونية والمسرح السياسي في العالم العربي. الرجل الذي حفر اسمه بحروف من نور في تاريخ الفن العربي، وترك إرثاً ثقافياً استثنائياً لا يزال يتردد صداه في المشهد الدرامي المعاصر.
ملك الدراما الرمضانية
ارتبط اسم يسري الجندي في الذاكرة الجماهيرية بأعمال أيقونية خالدة، وفي مقدمتها ثلاثية "السيرة الهلالية" التي أعادت صياغة ملاحم أبو زيد الهلالي ببراعة مذهلة، ومسلسل "علي الزيبق" الذي غاص في كواليس عصر المماليك ونقل صراع العدالة إلى شاشات البيوت العربية.
لم يكن الجندي مجرد مؤلف، بل كان "حكواتي" العصر الحديث. من خلال انغماسه الفريد في التراث، استطاع بعبقرية خاصة إحياء أبطال السير الشعبية إلى شخصيات نابضة بالحياة، مقدماً إياها بأسلوب سلس وصل إلى قلب الجمهور البسيط والمثقف على حد سواء.
النشأة والتكوين
وُلد يسري علي الجندي في الخامس من فبراير عام 1942 في محافظة دمياط، لينشأ في كنف بيئة مصرية أصيلة صبغت وجدانه بحب التراث الشعبي وشكلت ملامح مشروعه الفكري منذ الصغر.
مثّل معهد المعلمين بدمياط محطة تكوينية فارقة في مسيرته، إذ لم يكن مجرد صرح تعليمي، بل كان "مشتلاً" للإبداع قدم للحركة المسرحية أربعة من أهم فرسان الكلمة، كما وثق المؤرخ المسرحي الدكتور عمرو دوارة.
الاعتراف المبكر والجوائز
مع بزوغ فجر الستينيات، بدأت موهبة الجندي الفذة في التبلور مبكراً، لتتوج رسمياً وهو في السابعة والعشرين من عمره بحصوله على جائزتي التأليف المسرحي والنقد في مؤتمر الأدباء الشبان عام 1969.
توجت هذه الرحلة الملحمية بسلسلة من أرفع الأوسمة والجوائز، فحصد جائزة أفضل نص مسرحي في ملتقى المسرح العربي عام 1994، ونال في عام 1981 جائزة الدولة التشجيعية في المسرح، وصولاً إلى تتويجه بجائزة الدولة للتفوق عام 2005 في مجال الفنون.
رائد المسرح السياسي
لم تقتصر عبقرية الجندي على التلفزيون، بل كان "حكيم المسرح السياسي" الذي ناضل على مسرحه ضد الاستعمار والإمبريالية بكل أشكالها، وناقش قضايا مجتمعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
تجلت عبقريته في قدرته الفائقة على استنطاق الشخصيات التاريخية والدينية لإسقاطها على صراعات العصر الحديث، مستخدماً التاريخ كقناع لتفكيك الواقع وتحدي المسكوت عنه. في أعمال خالدة مثل "رابعة العدوية" و"عنترة"، لم يقدم سيراً ذاتية تقليدية، بل أعاد صياغة هذه الرموز لتصبح نماذج للبحث عن الحرية والعدل.
ولعل مسرحية "ما حدث لليهودي التائه عن المسيح المنتظر" تظل الشاهد الأكبر على جرأته، حيث قدم عملاً ملحمياً استشرافياً واجه بسببه عواصف من الرقابة، نظراً لطرحه الصراع العربي الصهيوني من زوايا فلسفية وسياسية غير مسبوقة.
الإرث الدرامي الخالد
لا يمكن للذاكرة العربية أن تنسى ما تركه من بصمات خالدة في الدراما المصرية، تجلت في أعمال أيقونية مثل "شارع المواردي"، و"التوأم"، و"جمهورية زفتي"، و"سامحوني ما كانش قصدي"، وصولاً إلى "من أطلق الرصاص على هند علام".
المنظر والمفكر
لم يكن الجندي يكتب النص فحسب، بل كان يؤصل له فلسفياً. عبرت أعماله الحدود لتُمثل في العديد من الدول العربية والمهرجانات الدولية، كما نشر دراسات هامة وفصولاً من كتابه التأسيسي "ملاحظات نحو تراجيديا معاصرة".
هذا الكتاب لم يكن مجرد دراسة أدبية، بل كان بياناً فنياً صاغ من خلاله رؤيته الفلسفية للمسرح، حيث انطلق فيه من تساؤل جوهري حول كيفية إيجاد تراجيديا تعبر عن الإنسان العربي المعاصر بعيداً عن القوالب الغربية الجاهزة.
الإدارة والقيادة الثقافية
إلى جانب فيض إبداعه الدرامي، كان يسري الجندي إدارياً محنكاً ومخططاً ثقافياً من طراز رفيع. تجلت قدراته القيادية حين تولى إدارة "مسرح السامر" بالقاهرة عام 1974، وصولاً إلى منصب مستشار المدير العام لهيئة الفنون، وهو الموقع الذي ظل يشغله بكفاءة وتفانٍ حتى تقاعده في فبراير عام 2002.
رحل يسري الجندي في التاسع من مارس 2022 عن عمر ناهز 80 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً ثقافياً ضخماً وتقليداً درامياً أصيلاً لا يزال يلهم الأجيال الجديدة من المبدعين العرب. إن ذكراه تستدعي التأمل في قيمة الفن الهادف والإبداع الملتزم بقضايا الأمة وهمومها.