نقابات العمال في العالم العربي: من الدفاع عن الحقوق إلى شراكة في بناء الاقتصاد
في خضم التحولات التكنولوجية المتسارعة وتغيرات سوق العمل، تبرز الحاجة الملحة لتطوير دور الحركة النقابية العربية، لم يعد دورها مقتصراً على الدفاع عن الحقوق العمالية، بل امتد ليشمل المشاركة الفعلية في رسم سياسات العمل والإسهام في بناء اقتصاد قوي ومستدام. هذا ما أكده خالد عيش، نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، في حوار شامل تناول مستقبل العمالة في ظل الذكاء الاصطناعي، وأوضاع الصناعة، والعمالة غير المنتظمة.
ما هي أولويات الحركة النقابية العربية في المرحلة الحالية؟
أوضح عيش أن المرحلة الحالية تفرض على أطراف الإنتاج الثلاثة (الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال) تعزيز التعاون والحوار الاجتماعي، خاصة مع التغيرات الاقتصادية المتلاحقة. فلم تعد مهمة الحركة النقابية قاصرة على الدفاع عن الحقوق، بل أصبحت مسؤولة عن المشاركة في وضع سياسات العمل ودعم زيادة الإنتاج ورفع كفاءة العامل.
وأشار إلى أن قوة الحركة النقابية تُقاس بقدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، والوصول عبر الحوار إلى حلول تراعي مصالح جميع الأطراف. وأكد أن العامل نفسه يتغير وسوق العمل يتغير، وبالتالي يجب أن يتطور العمل النقابي مع الحفاظ على دوره الأساسي في الدفاع عن حقوق العمال.
كيف تستعد النقابات لتحول الذكاء الاصطناعي والعمل عبر المنصات؟
أكد عيش أن التحول التكنولوجي واقع قائم، ولا يمكن فصل حقوق العمال عنه. واعتماد المعايير الدولية للعمل عبر المنصات الرقمية خطوة مهمة، خاصة أن مئات الملايين حول العالم يعملون بهذا النمط. وشدد على أن التكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لتحسين ظروف العمل وتعزيز العدالة الاجتماعية، وليس أداة للالتفاف على الحقوق.
وأبرز أهمية التدريب والتأهيل وربط احتياجات سوق العمل ببرامج التعليم، حتى يتمكن العامل من شغل الوظائف الجديدة والتعامل مع التكنولوجيا بدلاً من أن يكون ضحية لها.
هل التشريعات الحالية قادرة على استيعاب أنماط العمل الجديدة؟
رأى عيش أن أنماط العمل المستحدثة تفرض على الدول تطوير أطرها التشريعية والتنظيمية، بما يضمن حماية اجتماعية واقتصادية للعاملين، خصوصاً من يعملون خارج مظلة الحماية التقليدية. وأشار إلى التجارب الدولية في تنظيم العمل عبر المنصات، التي تؤكد ضرورة وضع قواعد واضحة تتعلق بالدخل العادل، والحماية الاجتماعية، والصحة والسلامة المهنية، والحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، إضافة إلى الشفافية في القرارات الخوارزمية.
وشدد على أن التنمية المستدامة تقوم على التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، بحيث يلمس العامل مباشرة نتائج الإصلاحات الاقتصادية عبر فرص عمل لائقة وتحسين الأجور وتعزيز الحماية الاجتماعية.
ما الذي يحتاجه قطاع الصناعات الغذائية ليكون أكثر تنافسية؟
أكد عيش أن قطاع الصناعات الغذائية أصبح من القطاعات القادرة على دعم النمو الاقتصادي وزيادة الصادرات المصرية. الارتفاع المتواصل في الصادرات يعكس تحسن جودة المنتج المصري وقدرته على المنافسة، لكن الحفاظ على هذا النمو يتطلب مواصلة تطوير العمالة وفق المعايير الدولية، وتحسين جودة المنتج، والتوسع في أسواق جديدة، وتعزيز الشراكة بين العمال وأصحاب الأعمال والدولة.
وأشار إلى أن الاستثمار في العامل هو استثمار مباشر في القدرة التنافسية للمنتج المصري، وأن زيادة الصادرات تحتاج إلى منظومة متكاملة تقوم على أربعة محاور: رفع كفاءة العمالة، وتحسين جودة المنتج، وفتح أسواق تصديرية جديدة، ودعم الشراكة بين الأطراف الثلاثة.
هل أصبح التدريب المهني ضرورة موازية لتحسين الأجور؟
أجاب عيش بأن التدريب المهني والنقابي أصبح ضرورة ملحة، فالعامل الذي يمتلك مهارات متطورة يكون أقدر على مواكبة احتياجات سوق العمل والتعامل مع التكنولوجيا ورفع الإنتاجية. وأكد ضرورة ربط التدريب باحتياجات الصناعة والوظائف المطلوبة مستقبلاً، لضمان وجود عامل مصري قادر على المنافسة.
كيف يمكن حماية العمال من تأثيرات التغير المناخي؟
أوضح عيش أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية فقط، بل له تأثير مباشر على العمال والإنتاجية وساعات العمل. وأصبح ملف السلامة والصحة المهنية أكثر إلحاحاً، ويستلزم تحديث نظم الوقاية داخل مواقع الإنتاج، ورفع وعي العمال وأصحاب الأعمال بالمخاطر المهنية، خصوصاً في القطاعات الأكثر تأثراً بارتفاع درجات الحرارة. وتحتاج مواجهة هذه التداعيات إلى سياسات مشتركة وتوفير الحماية اللازمة للعمال في الظروف المناخية الصعبة.
هل يمكن رفع الإنتاج دون تراجع حقوق العمال؟
رفض عيش النظر إلى حقوق العامل والإنتاج كطرفين متعارضين، فالتنمية المستدامة تقوم على التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. عندما يحصل العامل على حقوقه ويعمل في بيئة آمنة ومستقرة، يصبح أقدر على الإنتاج وتحمل المسؤولية. لذلك يجب أن يسير رفع الإنتاج وتحسين أوضاع العمال معاً، فالعامل شريك أساسي في العملية الإنتاجية وليس مجرد عنصر من عناصرها.
ما أبرز التحديات التي تواجه سوق العمل في مصر والعالم العربي؟
اعتبر عيش أن التكنولوجيا من أكبر التحديات، مستشهداً بتراجع الصحافة الورقية مع انتشار الإنترنت، واعتماد المصانع على الروبوتات والأنظمة التكنولوجية الحديثة، وهو ما يفرض تحدياً يتعلق بالحفاظ على فرص العمل. ودعا الحكومات إلى التفكير بأساليب غير تقليدية، والبحث عن وظائف ومجالات عمل جديدة لا تعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي، أو لا تستطيع الروبوتات أن تحل فيها محل العمال خلال السنوات المقبلة على الأقل.
وأكد ضرورة جلوس المستثمرين وأصحاب الأعمال مع الحكومات والعمال لمناقشة الوظائف التي يمكن استحداثها، بهدف الحفاظ على العمالة الحالية وضمان استقرار الأسر ومستويات المعيشة.
كيف يمكن تأهيل العامل المصري للاقتصاد الرقمي؟
أشار عيش إلى أن وزارة العمل تولي ملف التدريب اهتماماً كبيراً، مع توجيهات واضحة بتطوير مهارات العاملين. لكن الأمر لا يقتصر على الحكومة، فهناك منظومة ثلاثية تضم الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال، ويعملون من خلال حوار مستمر على وضع برامج تدريبية تراعي احتياجات الأطراف الثلاثة. لكل طرف رؤيته واحتياجاته، والمطلوب الوصول إلى منظومة تدريب وثقافة عمالية تحقق مصلحة الجميع.
ماذا عن أوضاع الصناعة المصرية والمصانع المتعثرة؟
بصفته رئيس النقابة العامة للعاملين بالصناعات الغذائية وعضو مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات الغذائية، أولى عيش هذا الملف أهمية كبيرة. وأشار إلى أن من الملفات المطروحة بقوة مسألة الدعم، وهل يستمر بصورته الحالية أم يتحول إلى دعم نقدي. وهناك توجه لتطوير الصناعات القابلة للتطوير، وضخ السيولة اللازمة، وإحلال وتجديد خطوط الإنتاج. ويمثل التدريب عنصراً أساسياً للعاملين، لأن رفع كفاءة العامل يؤدي إلى زيادة الإنتاج، مما ينعكس على خفض تكلفة السلعة وتوفيرها للمستهلك بأسعار أفضل.
ما الآليات المطلوبة لحماية العمالة غير المنتظمة وعمالة الأطفال والعمالة المنزلية؟
أكد عيش أن ملف العمالة غير المنتظمة يحظى باهتمام كبير من وزير العمل ورئيس مجلس الوزراء، مع تحرك واضح للتعامل معه. ومن الخطوات المهمة إنشاء صندوق للعمالة غير المنتظمة، لكن الهدف الأكبر هو دمج هذه العمالة في سوق العمل الرسمي المنظم. ويعملون مع وزارة العمل واتحاد العمال على التوصل إلى آليات تساعد على إدماجها خلال الفترة المقبلة، بما يضمن لها الحماية الاجتماعية والقانونية.
أما عن عمل الأطفال، فتوجد قوانين تنظم عملهم وتحميهم. وبخصوص العمالة المنزلية، من المنتظر إجراء حوار مجتمعي بشأنه، وقد أكد وزير العمل أنه لن ينتظر انتهاء جميع إجراءات مناقشة القانون، ويمكن إصدار قرارات تنفيذية توفر الحماية اللازمة إلى حين الانتهاء من التشريعات.
الخلاصة: نحو حركة نقابية عصرية وشراكة إنتاجية حقيقية
يبدو جلياً أن الحركة النقابية العربية، وعلى رأسها المصرية، تسعى إلى إعادة تعريف دورها في ظل التحولات الكبرى. فلم يعد الهدف مجرد الدفاع عن الحقوق، بل أصبحت المشاركة في بناء الاقتصاد وصياغة السياسات ركيزة أساسية. ومع التحديات التي تفرضها التكنولوجيا والتغير المناخي، يبقى التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية هو المفتاح لضمان مستقبل مستدام للعمال والاقتصاد على حد سواء.