كشف تقرير نشرته صحيفة اليوم السابع المصرية أن جماعة الإخوان الإرهابية كثفت خلال الفترة الأخيرة حملات تضليل رقمي تستهدف الجاليات المصرية في الخارج، عبر إعادة تدوير مقاطع قديمة واختلاق أزمات تتعلق بالإقامة والترحيل وأوضاع المصريين في دول المهجر. وأكد باحثون وممثلون للجاليات أن هذه المحاولات لم تعد تجد صدى واسعاً، وأن الوعي الشعبي والمعلومة الموثقة يشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الحرب البصرية.
وأوضح التقرير أن هذه الحملات تعتمد على استغلال سرعة انتشار الفيديو القصير على منصات التواصل الاجتماعي، وصعوبة تحقق كثير من المتلقين من مصدر المقطع وزمنه، في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي الذي زاد من صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمفبرك.
كيف تستهدف الجماعة الجاليات المصرية؟
قال الباحث في شؤون الحركات المتطرفة طارق أبو السعد، في تصريحات نقلتها اليوم السابع، إن جماعة الإخوان لجأت بعد فقدان تأثيرها داخل الشارع المصري إلى استهداف الجاليات باعتبارها بيئة خصبة، مضيفاً أن المغترب يعيش حالة من الاغتراب المعلوماتي فتأتي هذه المنصات لتقدم نفسها كصوت يدافع عنه، بينما هي في الحقيقة تبحث عن أداة ضغط على الدولة من الخارج.
وأشار أبو السعد إلى أن الأسلوب الأبرز الذي تعتمده الجماعة يقوم على إعادة تدوير مواد قديمة في قالب جديد، وهو ما يعرف بالحيلة البصرية، بحيث يظهر مقطع مصور من أحداث وقعت في بلد آخر أو في زمن سابق كأنه يعبر عن واقع الجاليات المصرية اليوم.
مؤشرات على فشل الاستراتيجية
قال أبو السعد إن المؤشرات الميدانية تؤكد تراجع تأثير هذه الحملات بشكل ملحوظ، مشيراً إلى أن التقارير المتخصصة ترصد فجوة متزايدة بين حجم الإنتاج الرقمي لهذه المنصات وحجم التفاعل الحقيقي والتأثير الفعلي.
ولفت إلى أن الجاليات المصرية في أوروبا والخليج، رغم تعرضها لضغوط اقتصادية واجتماعية حقيقية، رفضت الانخراط في دعوات التحريض التي أطلقتها المنصات الإخوانية، وفضلت في كثير من الأحيان تقديم مبادرات مساندة للدولة بدلاً من مواجهتها.
وأكد أبو السعد أن سبب هذا التراجع هو الوعي، مضيفاً أن المواطن المصري سواء في الداخل أو الخارج أصبح يميز بين من يتحدث عن مشكلاته ومن يستغله. وقال إن الجماعة لا تبني علاقة مع الجاليات بل تبني وظيفة، ووظيفتها الوحيدة هي الضغط على الدولة المصرية وتمرير أجندات قوى خارجية تستخدمها كورقة مساومة.
وأضاف أن من يتلقى الأموال من الخارج ليقول كلاماً معيناً عن الجاليات لا يمكن أن يكون مدافعاً عنها، بل هو تاجر بأزماتها.
ستة مداخل لحماية الوعي العام
حدد أبو السعد ستة مداخل رئيسية لحماية الوعي العام من فخ الشائعات المتعلقة بالجاليات:
- بناء علاقة مباشرة مع الجاليات: إذا شعر المغترب أن الدولة تسمعه وتستجيب لمطالبه لن يلجأ إلى طرف يشترط ولاءه مقابل حديثه عن قضاياه.
- نشر ثقافة التحقق: كل مقطع أو منشور عن الجاليات يجب أن يُسأل عنه ثلاثة أسئلة: من أنتجه؟ ومتى؟ ولماذا؟
- كشف الإنتاج المعادي بشكل استباقي: تفكيك المنصات ووسائل تمويلها قبل أن تصدر محتواها، لأن الجماعة تستثمر في الرواية لا في الحدث.
- إعطاء الجاليات دوراً في الحماية: الحماية الحقيقية تبدأ عندما يشعر المغترب أنه شريك وليس طرفاً مراقباً.
- تفعيل الرد القانوني دون استثناء: كل من يتلقى أموالاً أو توجيهات من الخارج لترويج الأكاذيب يجب أن يُحاسب بغض النظر عن موقعه.
- رعاية الجيل الثاني والثالث: أبناء الجاليات هم الأكثر عرضة للاختراق الفكري، والاستثمار في تعليمهم وربطهم بجذورهم حصن استراتيجي طويل المدى.
واختتم أبو السعد بالإشارة إلى أن الحرب الحقيقية اليوم هي حرب إدراك، وأن الإخوان لا يستهدفون الجاليات بل يستهدفون العلاقة بينها وبين الدولة.
شائعات الترحيل والإقامة تثير القلق
ومن جانبه، قال محمود عشيش، عضو المجلس الرئاسي لاتحاد المصريين بالخارج، في تصريح خاص لليوم السابع، إن أخطر الشائعات هي تلك التي تستهدف العلاقة بين المواطن المصري ودولته، أو تحاول إثارة القلق بشأن أوضاع الجاليات في الدول التي يقيمون بها.
وأضاف أن من أبرز هذه الشائعات تداول معلومات غير موثقة عن قرارات الترحيل والإقامة، أو الادعاء بوجود أزمات جماعية تواجه المصريين في بعض الدول، فضلاً عن تضخيم المشكلات الفردية وتصويرها وكأنها أزمات عامة تعاني منها الجالية بأكملها.
وأوضح عشيش أن مثل هذه الشائعات قد تثير القلق بين أبناء الجاليات وأسرهم داخل مصر، وقد تؤثر على ثقة المواطنين في المعلومات المتداولة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمصيرهم الوظيفي أو القانوني أو باستقرار أسرهم.
وأشار إلى أن التمييز يبدأ من التحقق من مصدر الخبر وتاريخه وسياقه، والرجوع إلى البيانات الرسمية الصادرة عن السفارات والقنصليات والجهات المختصة في دول الإقامة، وعدم التعامل مع أي منشور باعتباره حقيقة لمجرد انتشاره على نطاق واسع.
دعوة لتشكيل شبكة تطوعية لرصد المعلومات المضللة
أكد عشيش أن مواجهة الشائعة لا تكون بكثرة الحديث عنها وإنما بسرعة تقديم المعلومة الصحيحة من مصادر موثوقة، داعياً إلى وجود قنوات تواصل فعالة بين السفارات والقنصليات وممثلي الجاليات المصرية.
وشدد على ضرورة تجنب إعادة نشر الأخبار المضللة حتى بغرض تكذيبها، والاكتفاء بنشر التصحيح والمعلومة الموثقة، مؤكداً أن مواجهة الشائعات لا تعني إنكار المشكلات الحقيقية التي تواجه المصريين بالخارج، بل تتطلب الاعتراف بها والعمل على حلها، لأن الشفافية والمصداقية هما الأساس في بناء الثقة.
ودعا عشيش إلى الاستفادة من الكفاءات المصرية بالخارج، خاصة الشباب والمتخصصين في الإعلام والتكنولوجيا والقانون والعلاقات العامة، من خلال إنشاء شبكة تواصل تطوعية تضم ممثلين عن الجاليات في مختلف الدول تكون مهمتها رصد المعلومات المضللة والتحقق منها والمساعدة في نشر التوضيحات الصحيحة بالتنسيق مع الجهات المختصة.
واعتبر أبناء الجاليات المصرية قوة بشرية ووطنية كبيرة، قائلاً إنهم ليسوا مجرد مواطنين يعيشون خارج حدود الوطن وإنما جسور تواصل بين مصر وشعوب العالم، يستطيعون نقل صورة واقعية ومتوازنة عن مصر وتصحيح المعلومات غير الدقيقة بالحجة والمعلومة الموثقة.
وختم عشيش برسالة إلى كل مصري يعيش خارج وطنه، قال فيها: كونوا مصدراً للمعلومة الصحيحة ولا تنساقوا وراء الأخبار مجهولة المصدر، واحرصوا على نقل الصورة الحقيقية بموضوعية دون مبالغة أو تهوين، فحب الوطن لا يعني الصمت عن المشكلات بل يعني طرحها بصدق والسعي إلى حلها.
خبرة ذات صلة بالمنطقة
وتكتسب مسألة حماية الجاليات من التضليل الرقمي أهمية خاصة في منطقة تشهد حساسيات جيوسياسية متصاعدة، حيث أظهرت تجارب إقليمية عديدة أن المعلومات المضللة تُستخدم أداة ضغط سياسي، وهي مسألة تلامس أيضاً ملفات حساسة في لبنان، لا سيما مع
