إيران بعد خامنئي: تراجع الأيديولوجيا وصعود البراغماتية
تشهد الجمهورية الإسلامية في إيران تحولاً استراتيجياً عميقاً، حيث تتراجع الأيديولوجيا لمصلحة الخطاب الوطني والبراغماتية. هذا التحول، الذي فرضته الضربات العسكرية الأميركية الإسرائيلية وسلسلة الاغتيالات التي طالت قمة الهرم القيادي بقيادة علي خامنئي، يضع الدولة العميقة أمام مشهد سياسي جديد، يجبرها على إعادة النظر في آليات تداول السلطة وطبيعة تعاملها مع مكونات المجتمع المهمشة.
أزمة الفراغ القيادي وسقوط «النواة الصلبة»
لعقود، اعتمد النظام الإيراني على ما يمكن تسميته بـ«النواة الصلبة»، وهي كتلة أيديولوجية متشددة تضم المؤسسة الدينية والقوى الشعبية المرتبطة بنظام مصالح ومكتسبات. هذه النخبة كانت تتولى الدفاع عن سرديات السلطة وتكريس القرار داخل شريحة محددة. ومع ذلك، أدت سلسلة الاغتيالات التي استهدفت المرشد الأعلى وكبار القادة العسكريين والأمنيين إلى فراغ كبير، وأصابت هذه النخبة الحاملة بمأزق حقيقي، مما أفقد النظام الأشخاص القادرين على فرض سردية المؤسسة الدينية بالقوة أو بالأدوات القضائية والأمنية.
الإقصاء الأيديولوجي وإفشال المجتمع المدني
تاريخياً، وظفت السلطة الإيرانية مواردها لمنع القوى الأخرى من بناء نواة اجتماعية صلبة منافسة. استخدمت الدولة العميقة آليات أمنية وقانونية لاستبعاد الليبراليين والقوميين، وحتى القوى الدينية الإصلاحية، ومنعت نشوء أي مراكز قوى بديلة. هذا الإقصاء المنهجي طال شخصيات أسهمت في تأسيس النظام، مثل الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني. اليوم، تظهر محدودية هذا النهج الاستئصالي، الذي يتناقض جذرياً مع مفاهيم الدولة الحديثة والمجتمع المدني والتعددية.
الحرب الأميركية الإسرائيلية: صدمة استراتيجية
شكلت الحرب الأميركية الإسرائيلية وتداعياتها صدمة قاسية للنظام، وكشفت عن تهديد وجودي يتجاوز مجرد بقاء السلطة إلى خطر تفكيك الدولة الإيرانية وضرب وحدتها الجغرافية والقومية. المشروع الإسرائيلي المعلن لم يعد يقتصر على إضعاف النظام، بل بات يستهدف بنية الدولة نفسها. هذه الحقيقة القاسية أجبرت المؤسسة الحاكمة على التخلي عن عنادها ومقاومتها لأي إصلاح، والدفع نحو استيعاب التنوع الداخلي كضرورة وجودية.
من الخطاب الديني إلى التضامن الوطني
في استدارة بارزة، بدا أن المرشد السابق علي خامنئي أدرك خطورة الاستمرار في خطاب ديني إقصائي، خاصة بعد حرب يونيو 2025. النظام بدأ بتبني خطاب سياسي مختلف يقدم البعد الوطني والتضامن الشعبي على البعد العقائدي. هذه الخطوة تمثل اعترافاً ضمنياً بأن حماية إيران ووحدة أراضيها لا يمكن أن تتحقق عبر الأيديولوجيا وحدها، بل عبر الاعتراف بنواة أوسع تشمل الشباب المطالب بحقوقه والقوى السياسية المخالفة، وهي القوى التي طالما قمعها النظام باسم العقيدة.
ما هي «النواة الصلبة» في النظام الإيراني؟
«النواة الصلبة» هي الشريحة الأيديولوجية والعقائدية التي تشكل الحامل الأساسي لخطاب السلطة في إيران. هي تتولى الدفاع عن النظام في اللحظات المصيرية، وتعمل على إقصاء أي قوى سياسية أو ليبرالية منافسة لضمان احتكار القرار.
كيف أثرت الاغتيالات على بنية السلطة في طهران؟
سلسلة الاغتيالات التي طالت المرشد الأعلى وكبار القادة خلقت فراغاً قيادياً في الدولة العميقة الإيرانية. هذا الفراغ أفقد النظام الشخصيات القادرة على فرض السردية الأيديولوجية، مما أجبر المؤسسة الحاكمة على الانفتاح نسبياً على مكونات أخرى لتجنب الانهيار.
لماذا تحول الخطاب الإيراني من الأيديولوجيا إلى الوطنية؟
التحول جاء نتيجة الضغوط العسكرية والحرب الأميركية الإسرائيلية التي هددت بتفكيك إيران جغرافياً وقومياً. أدركت السلطة أن الخطاب الديني الإقصائي لا يوفر حماية للدولة، مما دفعها لاعتماد خطاب وطني براغماتي يستوعب المعارضة والشباب للحفاظ على بقاء الدولة.