حرب أكتوبر 1973: دروس استراتيجية في التخطيط العسكري والدبلوماسي
تحتفل مصر بذكرى حرب أكتوبر 1973، التي تُعتبر نموذجاً في التخطيط الاستراتيجي والتحضير الشامل للعمليات العسكرية. هذا الانتصار العسكري يقدم دروساً قيمة في كيفية تعبئة الموارد الوطنية وتنسيق الجهود المتعددة الأبعاد لتحقيق أهداف استراتيجية.
الأبعاد الاستراتيجية للتحضير
شملت عملية التحضير لحرب أكتوبر خمسة محاور أساسية تعكس النهج الحديث في إدارة الأزمات والتخطيط الاستراتيجي:
البعد السياسي والدبلوماسي
بدأت مصر تحركاتها الدبلوماسية فور انتهاء حرب 1967، مستهدفة المنظمات الدولية وخاصة الأمم المتحدة والقوى العظمى. حققت مصر مكاسب دبلوماسية مهمة، أبرزها القرار 242 الذي طالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة.
تمكن الرئيس أنور السادات من توحيد الموقف العربي وبناء تحالف قوي، بينما قام عصمت عبد المجيد بدور محوري في الأمم المتحدة لتغطية الاستعدادات العسكرية.
الإعداد المؤسسي والحكومي
أنشأ الرئيس جمال عبد الناصر مجلس الدفاع الوطني عام 1968، الذي ضم أهم المؤسسات السيادية لضمان التنسيق الفعال وتسريع عملية اتخاذ القرارات الحاسمة.
التحول الاقتصادي
تحول الاقتصاد المصري إلى "اقتصاد الحرب"، حيث تم توجيه جميع الطاقات الإنتاجية لخدمة المجهود الحربي. طبقت مصر استراتيجية ذكية في التموين، وقعت عقود توريد غير منتظمة لتجنب لفت انتباه العدو، وحققت احتياطياً استراتيجياً يكفي لستة أشهر.
التطوير العسكري والتكنولوجي
شهدت القوات المسلحة إعادة هيكلة شاملة، تضمنت إنشاء الجيشين الثاني والثالث الميدانيين، وتطوير القيادات التعبوية، وإدخال تقنيات تدريبية متقدمة.
تم تحديث الأسلحة والمعدات، واستبدال الدبابات والمدفعية القديمة بأخرى متطورة، وإدخال صواريخ متنوعة المدى. كما ابتكر المهندسون المصريون أسلحة غير تقليدية مثل قاذفات اللهب المحمولة ومسدسات المياه لهدم خط بارليف الرملي.
استراتيجية الخداع العسكري
وضع المشير محمد عبد الغني الجمسي "خطة الخداع الاستراتيجي" التي أوهمت العدو بعدم جدية مصر في اتخاذ قرار الحرب، من خلال تكرار المناورات والتدريبات بشكل روتيني.
الدروس المستفادة
تقدم تجربة حرب أكتوبر نموذجاً في التخطيط الاستراتيجي المتكامل، حيث تضافرت الجهود السياسية والاقتصادية والعسكرية لتحقيق هدف واحد. هذا النهج الشامل في إدارة الأزمات والتحضير للمواجهات الاستراتيجية يحتفظ بأهميته في السياق الجيوسياسي المعاصر.
تؤكد هذه التجربة أهمية التنسيق بين المؤسسات، والاستثمار في التطوير التكنولوجي، والحفاظ على المرونة الدبلوماسية، كعناصر أساسية في بناء القدرات الدفاعية الوطنية.