هل انهار مبدأ المساواة أمام القانون الدولي؟ غزة تضع النظام القضائي العالمي على المحك
في اليوم العالمي للعدالة الجنائية الدولية، يطرح وليد فاروق، رئيس الجمعية الوطنية للحقوق والحريات، تساؤلاً جوهرياً حول مدى قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بالتزاماته في حماية الإنسان ومحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية. فبينما تظل المبادئ القانونية واضحة، تبرز الفجوة بين النصوص والتنفيذ، خاصة في ظل المأساة الإنسانية في قطاع غزة.
مبدأ العدالة الجنائية: بسيط وواضح لكنه مهدد
يؤكد فاروق أن جوهر العدالة الجنائية الدولية يقوم على مبدأ أساسي: الكرامة الإنسانية لا تعرف الحدود، ومرتكبو جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب يجب ألا يفلتوا من المساءلة، بغض النظر عن هويتهم أو مواقعهم أو موازين القوى. لكن التطورات العالمية الأخيرة تفرض تساؤلات مشروعة حول اتساق الممارسة الدولية مع هذه المبادئ.
ويشير الحقوقي إلى أن الفجوة بين النصوص القانونية وآليات تنفيذها تؤدي إلى تراجع ثقة الشعوب في النظام القانوني الدولي، وزيادة قناعة الضحايا بأن العدالة أصبحت رهينة الحسابات السياسية بدلاً من أن تكون مرتبطة بحكم القانون.
غزة: اختبار المصداقية للنظام القضائي الدولي
تظل المأساة الإنسانية في قطاع غزة النموذج الأكثر إيلاماً لهذا التحدي. فحجم الدمار الذي طال الأحياء السكنية والمنشآت المدنية، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، والنزوح الواسع، والتدهور غير المسبوق للأوضاع الإنسانية، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لا يجوز التنصل منها.
ويؤكد فاروق أن قواعد القانون الدولي الإنساني لم توضع لتكون نصوصاً نظرية، بل لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة، وضمان احترام مبدأي التمييز والتناسب، وحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
المساءلة: شرط أساسي لاحترام القانون الدولي
لا يكتمل احترام القانون الدولي إلا بإعمال مبدأ المساءلة. فكل ادعاء بوقوع انتهاكات جسيمة يجب أن يقابله تحقيق مستقل ونزيه وفعال، وصولاً إلى محاسبة المسؤولين وفقاً للقانون، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو انتقائية. فالعدالة التي تتوقف عند حدود النفوذ السياسي ليست عدالة، بل إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون.
ويضيف فاروق أن التجارب الدولية أثبتت أن الإفلات من العقاب لا يؤدي إلا إلى إنتاج المزيد من العنف وإطالة أمد النزاعات. فالعدالة الجنائية الدولية ليست وسيلة للانتقام، بل ضمانة لحماية الإنسان وردع الجناة ومنع تكرار الانتهاكات وبناء سلام دائم.
الدور المصري: نموذج يجمع بين التحرك السياسي والمسؤولية الإنسانية
في هذا الإطار، يبرز الدور المصري كنموذج يجمع بين التحرك السياسي والمسؤولية الإنسانية. فقد واصلت مصر جهودها لوقف إطلاق النار، وتيسير دخول المساعدات الإنسانية، ودعم حماية المدنيين، وتهيئة الظروف لاستعادة الاستقرار. وأكدت في المحافل الدولية أن تحقيق السلام لا يمكن أن ينفصل عن احترام القانون الدولي وإنفاذ قواعده، والحفاظ على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.
دعوة لإعادة الاعتبار لمبدأ عالمية العدالة
يختتم فاروق بالتأكيد على أن اليوم العالمي للعدالة الجنائية الدولية يجب أن يكون دعوة صادقة لإعادة الاعتبار لمبدأ عالمية العدالة. فلا يجوز أن تبقى قواعد القانون الدولي رهينة الانتقائية أو ازدواجية المعايير، لأن ذلك يقوض الثقة في المؤسسات الدولية ويضعف قدرتها على أداء رسالتها.
وإذا كانت العدالة الجنائية الدولية قد أنشئت من أجل حماية الإنسانية من أخطر الجرائم، فإن غزة اليوم تمثل الاختبار الحقيقي لمصداقية هذه المنظومة. فإما أن تثبت المؤسسات الدولية قدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وإما أن تتسع الفجوة بين المبادئ المعلنة والواقع العملي، مما يهدد مستقبل العدالة الدولية ذاتها. وستظل حقوق الضحايا، والحق في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر والمساءلة، هي المعيار الحقيقي الذي يقاس به نجاح المجتمع الدولي في الدفاع عن قيم العدالة وسيادة القانون.