اكتشاف علمي: كائنات تعيش بلا ضوء الشمس في كهوف أمريكا
في أعماق صحراء تشيهواهوا جنوب ولاية نيو مكسيكو الأمريكية، يختبئ مختبر طبيعي يعيد صياغة تصورات العلماء عن حدود الحياة وإمكان وجودها خارج كوكب الأرض. هناك، داخل شبكة تضم 119 كهفاً تشكل منتزه كارلسباد كافيرنز الوطني، يقود اكتشاف علمي لافت إلى إعادة التفكير في شروط الحياة والضوء والطاقة.
تشكيل الكهوف عبر التاريخ
تشكلت هذه الكهوف قبل ما بين أربعة وأحد عشر مليون سنة، بفعل ذوبان صخور الحجر الجيري نتيجة تفاعلها مع حمض الكبريتيك. ويعد كهف كارلسباد أشهرها وأكثرها زيارة، إذ يستقبل نحو 350 ألف سائح سنوياً، ويضم القاعة الكبرى، وهي مساحة هائلة تحت الأرض تمتد لنحو 1220 متراً طولاً و191 متراً عرضاً.
الاكتشاف العلمي المذهل
رغم طابعه السياحي، تحول كهف كارلسباد في السنوات الأخيرة إلى محور اهتمام علمي غير مسبوق. ففي مناطق بعيدة عن المسارات المخصصة للزوار، اكتشف العلماء وجود كائنات دقيقة قادرة على إنتاج الطاقة في ظلام شبه تام، مستخدمة نوعاً من الضوء لا تراه العين البشرية.
تصف عالمة الأحياء الكهفية وأستاذة علوم الأرض بجامعة ألاباما، هيزل بارتون، لحظة الاكتشاف بقولها إن الجدار كان مغطى بلون أخضر فاقع، هو الأكثر إشراقاً الذي رأته في حياتها، رغم أن المكان غارق في ظلام دامس.
البكتيريا الزرقاء وسر التمثيل الضوئي
كشفت التحاليل أن هذه الطبقة الخضراء تتكون من بكتيريا زرقاء، وهي كائنات دقيقة وحيدة الخلية تشبه البكتيريا، لكنها تتميز بقدرتها على القيام بعملية التمثيل الضوئي. غير أن المفارقة تكمن في أنها لا تعتمد على ضوء الشمس، بل على الأشعة تحت الحمراء القريبة.
توضح بارتون أن الكهوف، بالنسبة لهذا النوع من الضوء، تشبه قاعة مرايا، إذ تمتص معظم الضوء المرئي لكنها تعكس الأشعة تحت الحمراء بكفاءة عالية. وعند قياس شدة الضوء في أكثر مناطق الكهف ظلمة، وجد الباحثون أن تركيز الأشعة تحت الحمراء القريبة كان أعلى بنحو 695 مرة مقارنة بالمدخل.
آثار على البحث عن الحياة خارج الأرض
تتجاوز أهمية هذه النتائج حدود علم الأحياء الأرضي، لتصل إلى علم الأحياء الفلكية. فمعظم النجوم في مجرتنا ليست شبيهة بالشمس، بل أقزام حمراء من النوعين M وK، وهي نجوم تصدر غالبية طاقتها في نطاق الأشعة تحت الحمراء.
ويؤكد عالم الأحياء الدقيقة لارس بيرندت من جامعة أوبسالا أن هذه الكائنات لا تعيش في بيئة معزولة فحسب، بل تمارس نشاطاً حيوياً داخل نظام محمي يحتمل أنه ظل بعيداً عن أي تدخل بشري لنحو 49 مليون سنة.
هذا الاكتشاف يفتح آفاقاً جديدة في فهم إمكانية وجود الحياة على الكواكب التي تدور حول النجوم القزمة الحمراء، والتي تمثل البيئة الأكثر شيوعاً للكواكب الصخرية المكتشفة حتى الآن.