تصعيد بكين في بحر الصين الجنوبي يواجه تحالفا يابانيا فلبينيا
يشهد بحر الصين الجنوبي تصعيدًا توتريًا متصاعدًا إثر نشر بكين دوريات مسلحة ردًا على التقارب الفلبيني الياباني الرامي إلى ترسيم المناطق الاقتصادية. يمثل هذا التطور تحديًا جديدًا للقانون الدولي، ويبرز تشكيل تحالفات ديمقراطية إقليمية لمواجهة النفوذ الصيني المتوسع، في مسار يختلط فيه التنافس الجغرافي بالمخاوف من الهيمنة على الممرات البحرية الحيوية.
لماذا تجدد التوتر بين الصين والفلبين؟
يعود التجديد الحالي للتوتر إلى اتهامات مانيلا لبكين بوضع أجسام تجسسية في شعاب سكاربورو، التي تطلق عليها الفلبين تسمية باناتاغ. وتسيطر الصين على هذه الشعاب المرجانية منذ عام 2012، متجاهلة حكم محكمة التحكيم الدولية الدائمة الصادر سنة 2016 والذي أكد وقوعها ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين. ولم تكتفِ بكين بتجاهل الشرعية الدولية، بل واصلت سيطرتها واشتبكت قواتها مع قوارب الصيادين الفلبينيين.
وفي مقابل هذا التصعيد، لم تُظهر دول منظومة آسيان تضامنا فعليا مع مانيلا، خوفا على مصالحها الاقتصادية مع الصين. ففي الوقت الذي تصاعدت فيه التوترات، كان وزير مالية إندونيسيا يبحث في بكين سبل الارتقاء بالروابط المالية والاقتصادية بين البلدين.
كيف ردت اليابان وتايوان على التحركات الصينية؟
في غياب التضامن الإقليمي، اختارت دولة من خارج آسيان، وهي اليابان، الانتصار للفلبين. ففي 28 مايو المنصرم، عقب زيارة الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن لطوكيو، أعلن البلدان عزمهما على إجراء محادثات ثنائية لترسيم مناطقهما الاقتصادية الخاصة، مع استثناء تايوان الواقعة جغرافيا بينهما.
لم يرقَ هذا الاتفاق للصين، إذ أصدرت خارجيتها بيانا في 7 يونيو وصفت فيه المفاوضات بالباطلة وغير القانونية. وسرعان ما سارعت بكين إلى تسيير دوريات مسلحة في المنطقة، معلنة صراحة أن هذه الإجراءات جاءت ردا على المفاوضات اليابانية الفلبينية.
امتدت تداعيات هذا التصعيد لتشمل تايوان، التي استفزتها الدوريات الصينية بالقرب من سواحلها الشرقية. ردا على ذلك، نشرت تايوان سفنها الحربية لمراقبة السفن التجارية العابرة والاستفسار اللاسلكي عن حمولاتها ووجهاتها. وكانت الخارجية التايوانية قد أشادت في 31 مايو بالاتفاق بين مانيلا وطوكيو، معربة عن تطلعها للتعاون للحفاظ على الأمن البحري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو بيان أثار حفيظة بكين.
المخاوف الصينية من صعود التحالفات الديمقراطية
تندرج ردود الفعل الصينية في سياق مخاوف بكين من احتمالات صعود اليابان عسكريا وتوسع نفوذها. وتسعى الزعيمة اليابانية ساناي تاكائيتشي إلى التخلي تدريجيا عن القيود المفروضة على القدرات العسكرية لبلادها منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك كرد فعل على التطورات الجيوسياسية، ومنها الصعود العسكري الصيني غير المسبوق ودعم بكين لموسكو في حربها ضد أوكرانيا.
تبدو بكين شديدة الحساسية تجاه أي تحرك ياباني، لا سيما عندما يكون بين طوكيو ومانيلا، دولتين تحيطان بتايوان وتجمعهما اتفاقية الوصول المتبادل المبرمة في سبتمبر 2025. تسمح هذه الاتفاقية بإجراء مناورات عسكرية مشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية ونشر قوات الدفاع اليابانية فوق الأراضي الفلبينية. ويأتي تصريح تاكائيتشي في نوفمبر 2025، والذي أكدت فيه أن أي هجوم صيني على تايوان قد يدفع اليابان لاتخاذ إجراء عسكري مضاد دفاعا عن النفس، ليزيد من حنق الدوائر الصينية.
ووفقا لمراقبين، طلبت بكين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال قمته مع نظيره الصيني شي جينبينغ في مايو المنصرم، أن يلجم حليفتيه اليابانية والفلبينية ويضغط لوقف تعاونهما العسكري إذا ما أراد استقرارا في المنطقة.
أسئلة شائعة حول النزاع في بحر الصين الجنوبي
ما هو حكم محكمة التحكيم الدولية بشأن شعاب سكاربورو؟
أصدرت محكمة التحكيم الدولية الدائمة حكما في عام 2016 لصالح الفلبين، مؤكدة أن شعاب سكاربورو تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، غير أن الصين رفضت الاعتراف بالحكم وواصلت سيطرتها على المنطقة.
ما هي اتفاقية الوصول المتبادل بين اليابان والفلبين؟
هي اتفاقية أبرمت في سبتمبر 2025 تسمح بإجراء مناورات عسكرية مشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية ونشر قوات الدفاع اليابانية فوق الأراضي الفلبينية، بهدف تعزيز الردع والأمن البحري في المنطقة.
لماذا تعارض الصين التقارب الياباني الفلبيني؟
ترى الصين أن التقارب بين طوكيو ومانيلا يشكل تهديدا استراتيجيا يحيق بتايوان ويعزز النفوذ العسكري الياباني في المنطقة، خاصة في ظل تحرير القدرات العسكرية اليابانية وتوقيع اتفاقيات دفاعية مشتركة.
في المحصلة، يبقى بحر الصين الجنوبي مسرحا لتطورات ومواجهات مضادة، تختلط فيها المزاعم التاريخية بالتنافس على الموارد والنفوذ. وتواجه الدول الأقل قوة، الساعية لحماية سيادتها وأمنها الوطني، تحديات جسيمة أمام دولة كبرى تسعى لفرض هيمنتها، وتوجه رسائل مبطنة مفادها أن الولايات المتحدة قد لا تكون قادرة على إيقاف صعودها أو حماية حلفائها في المنطقة.