صناعة المراهنات: كيف اختطفت كرة القدم في عالم رقمي بلا رقيب
في عالم باتت فيه كرة القدم أكثر من مجرد رياضة، تحولت إلى منتج عالمي يدر مليارات الدولارات، يبرز سؤال جوهري: هل أصبحت اللعبة الجماهيرية الأولى رهينة لصناعة المراهنات الرقمية؟ كتاب جديد للباحث الأيرلندي داراه ماكجي، الأستاذ في جامعة باث البريطانية، يحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال رحلة استمرت عشرين عاماً في دراسة العلاقة بين كرة القدم والمراهنات الرياضية في العصر الرقمي.
يحمل الكتاب عنوان 'ألعاب المحاكاة'، وصدر مؤخراً عن دار نشر بنغوين البريطانية بالتزامن مع انطلاق كأس العالم الأخيرة في الولايات المتحدة. يصف ماكجي في كتابه ما يعتبره 'عملية اختطاف ممنهجة' تعرضت لها كرة القدم على يد صناعة المراهنات على امتداد ثلاث قارات: أوروبا وأفريقيا وأمريكا الشمالية، بالإضافة إلى سوق المراهنين الضخم في آسيا.
كيف تحولت المراهنات إلى 'تسلية بريئة'؟
يرى ماكجي أن التحول بدأ منذ التسعينات، من خلال استراتيجية دعاية واسعة لإعادة تشكيل صورة ألعاب القمار في أذهان جيل كامل من الشباب. لم تعد المراهنات تُنظر إليها كرذيلة تنقص المال والعقل، بل أصبحت تُقدم كنوع من التسلية التي لا ضرر منها، يختبر فيها المرء ذكاءه وحدسه، ويتنافس مع أصدقائه لزيادة الإثارة في المباريات.
يقول ماكجي: 'في عالم اليوم، الفضاء الرقمي بإثارته المستمرة يجعل الكثير من الشباب وصغار السن يراهنون على الأحداث الرياضية كنوع من مشاركتهم فيها. لم نعد قادرين على التعرف على شكل الرياضة اليوم بعد أن أصبحت منتجاً يروج لصناعة ألعاب المراهنات ومنصة دعاية للقمار'.
ويضيف: 'الرياضة هي المحور والبطل الرئيسي الذي يدفع الملايين إلى الدخول إلى عالم المراهنات ويجعلهم يعودون إليه مرة بعد مرة، حتى تصبح المراهنات جزءاً طبيعياً من كونك مشجعاً. لم يشعر أحدنا بالخطر في البداية، لقد تعلمنا أن نثق في الرياضة، لكن الرياضة أصبحت تعلمنا أن القمار مجرد تسلية بسيطة نظيفة'.
الدوري الإنجليزي: معمل التجارب الأول
يصف ماكجي الدوري الإنجليزي الممتاز بأنه كان معمل التجارب الأول والأهم الذي شهد تشكيل التحالف بين كرة القدم و'ظلها الأسود' المتمثل في شركات المراهنات. فبين عامي 2010 و2014، رسخ الدوري الإنجليزي مكانته كأضخم دوري بين الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا، بفضل صفقات حقوق البث الحصرية التي حولته إلى منتج عالمي يشاهده أكثر من 200 دولة، مع متابعين يصل عددهم إلى نحو خمسة مليارات شخص.
هذا التحول جعل الدوري الإنجليزي أقرب إلى لوحة إعلانات لا مثيل لها، وكانت شركات المراهنات أول من استفاد من ذلك. وصلت الرعاية ذروتها في موسم 2016-2017، حيث حملت نصف أندية الدوري الإنجليزي شعاراً لإحدى شركات القمار والمراهنات، محققة رقماً قياسياً لم تصل إليه دعاية أي قطاع صناعي أو تجاري آخر.
وتقول البارونة كارين برادي، التي شغلت منصب نائب رئيس نادي وست هام يونايتد، إن الفارق في المبلغ الذي تدفعه شركات المراهنات مقابل الشركات الأخرى للحصول على حق وضع شعارها على قمصان اللاعبين يصل إلى نحو 40%.
أفريقيا: استعمار جديد في صورة رقمية
في أفريقيا، تختلف الصورة بشكل جذري. كان ماكجي جزءاً من فريق بحثي درس آثار اختراق صناعة المراهنات لكرة القدم في مناطق دول أفريقيا جنوب الصحراء. هناك، انتشرت الصناعة بشكل واسع في ظل غياب تشريعات واضحة، مقابل هوس المشجعين الأفارقة بكرة القدم ونجومهم المحبوبين.
يصف ماكجي الأمر بأنه أقرب إلى 'استعمار جديد في صورة رقمية'. ويضيف: 'معظم شركات المراهنات الكبرى العاملة في تلك المنطقة تتخذ مقرات غامضة بعيداً عن أفريقيا، لكنها تعرف كيف تسوق لنفسها في منطقة تضم كتلة سكانية ضخمة من الشباب العاطل عن العمل'.
ويلفت إلى أن بعض الوجوه الأسطورية في تاريخ كرة القدم الأفريقية مثل ديدييه دروجبا وجاي جاي أوكوشا قبلوا دولارات شركات المراهنات ليلعبوا دور سفراء لبيع وترويج المراهنات بين الشباب الأفريقي، الذي تحاصره رسائل دعائية متواصلة تخبره بأنه على بعد خطوة من تحقيق أحلامه، فقط 'حمل التطبيق'.
الأرقام: أرباح خيالية مقابل خراب بيوت
من الناحية الاقتصادية، يرصد كتاب ماكجي أرقاماً مذهلة. في بريطانيا، وصلت أرباح شركات المراهنات الرقمية إلى 8.3 مليار جنيه إسترليني عام 2008، قبل أن تصبح 14.4 مليار دولار عام 2024، ثم 15.6 مليار جنيه إسترليني عام 2025. وفي الولايات المتحدة، وصلت أرباح سوق المراهنات الرياضية في العام نفسه إلى 14 مليار دولار.
هذه الأرقام هي الرسمية في دولتين تمتلكان أدوات تشريعية لرصد أرباح هذه الصناعة. فكم يمكن أن تكون أرباحها في باقي دول العالم التي تفتقر إلى وسائل الرصد والمحاسبة؟
على الجانب الآخر، يصف ماكجي الدمار الذي تتركه الصناعة خلف شعاراتها البراقة: إدمان، إفلاس، خراب بيوت، وحتى انتحار. ويقول: 'في عطلة نهاية الأسبوع التي شهدت افتتاح مباريات البريميرليج موسم 2025-2026، كان هناك نحو 30 ألف رسالة دعائية لشركات المراهنات عبر التلفزيون والراديو ووسائل التواصل الاجتماعي. مباراة واحدة مثل مانشستر سيتي وولفرهامبتون شهدت 5262 رسالة دعاية للمراهنات، أي بمعدل 20 رسالة كل دقيقة'.
هل هناك مخرج؟
يختتم ماكجي كتابه بسؤال مفتوح: هل يمكن إنقاذ كرة القدم من هذا 'الاختطاف'؟ الإجابة ليست واضحة، لكنه يدعو إلى تشريعات أكثر صرامة، ووعي مجتمعي متزايد بمخاطر هذه الصناعة التي تقدم نفسها كتسلية بريئة، بينما تخلف وراءها جيلاً كاملاً من المدمنين.
في النهاية، يبقى السؤال: هل كرة القدم التي نحبها ما زالت ملكاً لنا، أم أصبحت مجرد واجهة لعالم مظلم من المراهنات والقمار؟