المواجهة الأمريكية الإيرانية: أوروبا بين الحذر الاستراتيجي والقلق الأمني
بينما تتسع رقعة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتابع العواصم الأوروبية التطورات بقلق مباشر على أمنها الطاقي واستقرار جوارها الجنوبي وتوازن تحالفاتها الدولية.
التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط لا يُقرأ أوروبياً بوصفه نزاعاً إقليمياً فحسب، بل اختباراً جديداً لقدرة القارة على تجنب الانخراط في صراع مفتوح قد يفاقم أزماتها المتراكمة منذ حرب أوكرانيا.
تصعيد تدريجي نحو صراع إقليمي معقد
ما بدأ عملية عسكرية تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في محاولة لتفكيك قدراتها العسكرية والنووية، يتحول تدريجياً إلى صراع إقليمي معقد الأبعاد، يهدد بتحويل الشرق الأوسط إلى مسرح مفتوح للتصعيد الدائم.
رغم أن المواجهة ما زالت تُعرف بكونها نزاعاً مباشراً بين أطراف محددة، فإن كل ضربة تحمل في طياتها احتمال خطأ في الحسابات أو توسع غير مقصود، قد يؤدي إلى استدراج قوى جديدة إلى ساحة الحرب.
تحليل عسكري للقدرات الإقليمية
يُظهر تحليل الوضع الميداني أن العمليات تدور ضمن منطق "الضربة مقابل الضربة"، مع حرص نسبي من الأطراف الرئيسية على تجنب استهداف منشآت مدنية كبيرة أو إعلان حرب شاملة.
الجنرال السابق في الجيش الفرنسي، فرانسوا شوفانسي، لا يستبعد سيناريو الانزلاق نحو تصعيد إقليمي إذا قررت الدول المتضررة الدخول في المواجهة العسكرية.
وأوضح شوفانسي أن الأسطول الجوي للدول العربية يضم نحو 300 طائرة مقاتلة، وهو عدد لا تمتلكه إيران. كما أن قدراتها الدفاعية الصاروخية من طراز باتريوت أو ثاد ذات أهمية بالغة.
الموقف الأوروبي: حذر استراتيجي
تتعامل العواصم الأوروبية مع التصعيد ضد إيران بمنطق مزدوج، يقوم على إدانة أي تهديد لأمن المنطقة، والتشديد في الوقت ذاته على ضرورة تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
الاتحاد الأوروبي، المنهك أساساً بتداعيات الحرب الأوكرانية وأعباء الطاقة، لا يبدو مستعداً لفتح جبهة سياسية أو عسكرية جديدة في الشرق الأوسط.
عملياً، يُترجم هذا الحذر في الامتناع عن أي التزام عسكري مباشر، سواء عبر الانضمام إلى عمليات قتالية واسعة أو إرسال قوات. حتى الدول التي تربطها علاقات وثيقة مع واشنطن، تُبقي مسافة واضحة بينها وبين العمليات الهجومية.
مجلس الدفاع الفرنسي والموقف الأوروبي
مجلس الدفاع الفرنسي الذي عقده الرئيس إيمانويل ماكرون لم يُدل بتصريحات قوية، باستثناء تأكيده ضرورة خفض التصعيد وحماية المواطنين الفرنسيين.
أكد شوفانسي عدم وجود أي تدخل عسكري محتمل حالياً، مشككاً في مدى استعداد أوروبا عسكرياً. وتساءل: "إذا أصاب صاروخ دولة أوروبية، فماذا سيكون رد فعل الاتحاد الأوروبي؟"
موقف حلف الناتو والقوى الكبرى
بالنسبة لحلف شمال الأطلسي، رأى الجنرال الفرنسي أن الناتو لن يتدخل لأنه يحدد المنطقة الجغرافية في أي صراع بدقة، والشرق الأوسط ليس جزءاً منها.
أما روسيا والصين، فقد اقتصر موقفهما على المطالبة بوقف إطلاق النار خلال اجتماع مجلس الأمن. لا تملك بكين مصلحة في التصعيد، خاصة فيما يتعلق بالنفط الذي تعتمد عليه جزئياً رغم العقوبات.
روسيا لديها أولويات أخرى رغم توقيعها اتفاقية شراكة استراتيجية مع إيران العام الماضي. الدعم العسكري القادم من روسيا والصين لا يزال محدوداً وضئيلاً.
دبلوماسياً، لا يخرج الموقف الروسي الصيني عن إطاره التقليدي الذي يقتصر على الإدانة دون الانخراط في أي نقاش جدي أو التزام إضافي.