الإدمان والمخدرات: رؤية شرعية وطبية متكاملة لمواجهة الظاهرة
في إطار دورة تدريبية متخصصة بعنوان «الفتوى وقضايا الإدمان والمخدرات.. رؤية شرعية ومجتمعية»، نظّم مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية بالتعاون مع صندوق مكافحة المخدرات سلسلة محاضرات جمعت بين الأبعاد الطبية والشرعية والمقاصدية لظاهرة الإدمان. الدورة، التي عُقدت برعاية الدكتور نظير عياد، مفتي جمهورية مصر العربية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، هدفت إلى تسليط الضوء على تعدد أبعاد الظاهرة وآثارها على العقل والصحة والسلوك والأسرة والمجتمع، مع التأكيد على أهمية التكامل بين المعرفة المتخصصة والتأصيل الشرعي والوقاية والعلاج وإعادة دمج المتعافين.
ما هي الرؤية المقاصدية لقضايا الإدمان والمخدرات؟
من منظور أصولي مقاصدي، تناول الدكتور محمود عبد الرحمن عبد المنعم، أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر الشريف، في محاضرته «الرؤية المقاصدية لقضايا الإدمان والمخدرات» مكانة العقل في التصور الإسلامي بوصفه أساسًا أصيلًا في إدراك الإنسان وتفكيره واختياره. وأشار إلى أن النصوص القرآنية تدعو إلى إعمال العقل والتفكر والنظر وتحصيل المعرفة، وأن الإسلام جاء لتوجيه هذه القوة العاقلة نحو التفكير السليم وإدراك الحقائق. ومن ثم، فإن تعطيل العقل أو تغييب قدراته يمثل اعتداءً على مقصد شرعي جوهري، خاصة أن أثر الإدمان لا يقف عند حدود الصحة البدنية، بل يمتد إلى الشخصية والإدراك والكلام والحركة والسلوك، بما ينعكس على سائر مقاصد الشريعة والكليات الخمس: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
وعلى صعيد الوقاية، أوضح أن التعامل مع المخدرات ينبغي أن يتجاوز معالجة النتائج إلى بناء مناعة معرفية وروحية تحول دون الوقوع فيها، مستندًا إلى التدرج الذي اتبعه التشريع الإسلامي في معالجة الخمر وتهيئة النفوس للابتعاد عنها. وأكد أن الوقاية المعرفية تقوم على ترسيخ العلم والتفكير الرشيد وتحصين الأبناء من المؤثرات التي تعطل عقولهم، بما في ذلك بعض صور المخدرات المعنوية والرقمية التي قد تستحوذ على الانتباه وتدفع إلى إهدار الوقت وتعطيل التفكير. ودعا إلى تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات الدينية والعلمية والمتخصصين، وإلى الاستنفار المجتمعي والبحثي والمؤسسي في مواجهة الظاهرة، مع الجمع بين جهود التخلية من السلوكيات الضارة والتحلية بالقيم والمعارف التي تحقق الاستقرار النفسي والروحي.
كيف تؤثر المخدرات على الصحة والسلوك؟
من جانبه، استعرض الدكتور محمد مصطفى، خبير السموم والإدمان بمصلحة الطب الشرعي، في محاضرته «المخدرات تصنيفاتها والآثار الصحية لتعاطيها» طبيعة المخدرات وآليات تأثيرها في الإنسان. وبين أن الإدمان يمثل مرضًا اجتماعيًا مزمنًا تتداخل معه أبعاد صحية ونفسية واجتماعية وقانونية، وأن اتساع نطاق الظاهرة يرتبط بزيادة المعروض من المواد المخدرة وما يترتب عليها من زيادة أعداد المتعاطين أو ارتفاع معدلات التعاطي لدى بعض الأفراد، إلى جانب تراجع الحواجز المرتبطة بالنوع والسن ونوع المادة المخدرة، فلم يعد التعاطي مقصورًا على الرجال أو كبار السن.
وأشار إلى أن الخبرة العملية مع المحجوزين لقضاء مدد العقوبة كشفت عن ارتباط جانب كبير من الجرائم بتعاطي المخدرات، لما تحدثه تلك المواد من تغيرات في الإدراك والسلوك والدوافع والقدرة على ضبط التصرفات. وفي الجانب الطبي، أوضح أن المواد المخدرة تختلف في تأثيراتها بين المهدئات والمنشطات وغيرها من المواد التي تؤثر في الجهاز العصبي والوظائف الحيوية. ولفت إلى أن أخطر المراحل قد تبدأ بالتعاطي العَرَضي الذي يمنح الشخص شعورًا مصطنعًا بالسعادة أو التسكين، ثم يضعف الحاجز النفسي بينه وبين المادة مع تكرار التعاطي، وصولًا إلى الاعتماد والإدمان، حيث يصبح الحصول على المادة المخدرة محورًا أساسيًا في حياة الشخص وتضعف قدرته على ممارسة وظائفه الطبيعية، وقد تصاحب ذلك أعراض نفسية وجسدية مثل القلق والاكتئاب والتشنجات واضطراب السلوك، فضلًا عن المشكلات الأسرية والاجتماعية والاقتصادية.
وشدد على أن مواجهة الظاهرة تقتضي خفض عرض المواد المخدرة والطلب عليها، وتعزيز الوعي الديني والنفسي، وتصحيح المعتقدات الخاطئة التي تروج لقدرتها على زيادة النشاط أو السهر أو تحسين العلاقات. كما نبه إلى أن الدواء قد يتحول إلى مادة مخدرة عند إساءة استخدامه من خلال تجاوز الجرعة أو مخالفة الغرض الطبي أو طريقة الاستخدام المقررة، وتناول تصنيفات المواد المخدرة والمواد التخليقية التي قد تكون في الأصل أدوية ذات استخدامات علاجية ثم تُستعمل في غير أغراضها.
ما هي الأحكام الشرعية المتعلقة بمرضى الإدمان؟
وفي المحور الفقهي، قدم الدكتور أحمد ممدوح سعد، عضو الهيئة الاستشارية العليا لفضيلة المفتي، محاضرته بعنوان «الأحكام الشرعية المتعلقة بمرضى الإدمان»، موضحًا أن قضية المخدرات ليست من القضايا المستحدثة تمامًا في الفقه الإسلامي، فقد عرف العلماء صورًا منها منذ قرون وحذروا من آثارها، وتناولوها بالتصنيف والتأليف، ومن ذلك ما كُتب حول الحشيشة. وأشار إلى أن العبارات الفقهية اختلفت في توصيف أثرها بين الإسكار والتفتير، بينما استقر الأصل العام على تحريم المسكرات والمفترات، مع بيان الفارق بين السكر الذي يزيل الإدراك بدرجة كبيرة وبين الفتور الذي يحدث خللًا في الإدراك ويؤثر في تقدير الإنسان للواقع. وأضاف أن الخلاف الفقهي قد يتصل ببعض صور العقوبة والتعزير، مع ثبوت أصل التحريم، وأن التطورات المعاصرة في طبيعة المواد المخدرة تجعل آثارها أكثر تعقيدًا لما قد تحدثه من اضطرابات نفسية وعصبية عميقة.
وفي إطار الأحكام المتعلقة بالمدمن، بيّن أهمية التمييز بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية عند النظر في بعض الحالات المرتبطة بالإدمان، وضرورة الرجوع إلى المتخصصين القادرين على تقدير الحالة الصحية ومراحلها ووضع المسار العلاجي المناسب. وأوضح أن التداوي قد يخضع لاعتبارات الضرورة عند عدم وجود بديل علاجي مناسب وتحقق الضرر من ترك العلاج. كما تناول بعض الأحكام المتعلقة بالعبادات والحياة الأسرية، ومنها مراعاة حال المريض عند تعارض الدواء مع الصيام، والتمييز في المسؤولية عن التصرفات بحسب سبب زوال العقل، مؤكدًا حق المرأة في طلب الطلاق عند تحقق الضرر الذي يتعذر عليها دفعه، وحق الأسرة في التدخل لحماية المدمن ومساعدته على العلاج في الحالات التي تستوجب ذلك، مع ضرورة صيانة سره وخصوصيته وعدم تحويل المرض إلى وصمة اجتماعية تعوق التعافي، ومساعدته على التوبة ورد الحقوق إن تعلقت به مظالم واحتوائه بعد العلاج حتى لا يعود إلى رفقاء السوء، إلى جانب أهمية توفير رعاية نفسية وبيئة آمنة تحفظ كرامته وتشجعه على الاستمرار في التعافي.
كيف يمكن مواجهة الإدمان بشكل متكامل؟
وتكاملت المحاور المطروحة في التأكيد على أن مواجهة الإدمان والمخدرات مسؤولية متعددة المستويات لا تنفصل فيها الوقاية عن العلاج، ولا التأصيل الشرعي عن المعرفة الطبية والنفسية والاجتماعية. ويستوجب ذلك توحيد الجهود لحماية العقل والإنسان والأسرة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول المخدرات، وبناء وعي قادر على اكتشاف المخاطر مبكرًا، مع توفير مسارات علاجية قائمة على التخصص والخصوصية والاحتواء، وإعادة دمج المتعافين في المجتمع بعيدًا عن الوصمة والإقصاء، بما يعزز فرص استدامة التعافي ويحمي المجتمع من الآثار الصحية والإنسانية والاجتماعية المترتبة على الإدمان.
أسئلة شائعة حول الإدمان والمخدرات
هل الإدمان مرض اجتماعي؟
نعم، يعتبر الإدمان مرضًا اجتماعيًا مزمنًا تتداخل معه أبعاد صحية ونفسية واجتماعية وقانونية، ويتطلب علاجًا متكاملًا يشمل الجوانب الطبية والنفسية والاجتماعية.
ما هو موقف الشريعة من المخدرات؟
استقر الأصل العام في الفقه الإسلامي على تحريم المسكرات والمفترات، سواء كانت من المواد الطبيعية أو التخليقية، مع التأكيد على أن حفظ العقل مقصد أصيل من مقاصد الشريعة.
كيف يمكن الوقاية من الإدمان؟
تتطلب الوقاية بناء مناعة معرفية وروحية من خلال ترسيخ العلم والتفكير الرشيد، وتحصين الأبناء من المؤثرات الضارة، وتكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات الدينية والعلمية.