من نزار قباني إلى وائل فتحي: الشعراء يتولون نشر دواوينهم بأنفسهم
لم ينتظر نزار قباني ناشرًا ليتحمل مخاطرة ديوانه الأول «قالت لي السمراء»، وبعد عقود يخوض الشاعر وائل فتحي تجربة قريبة من خلال «منشورات وائل فتحي» وديوانه الجديد «في صحة الميتافيرس». فرغم تغير الزمن، بقيت الفكرة واحدة: شاعر يقرر ألا يكتفي بكتابة القصيدة، بل يتدخل أيضًا في الطريق الذي تصل به إلى القارئ.
يستعرض هذا التقرير نماذج بارزة من الشعراء الذين اختاروا النشر الذاتي، من ويليام بليك في القرن الثامن عشر إلى روبي كور في العصر الرقمي، وصولًا إلى التجربة اللبنانية-العربية الحديثة التي يمثلها وائل فتحي.
ويليام بليك: طبع كتبه بيده
قبل أن يصبح النشر الذاتي مصطلحًا معروفًا، كان الشاعر والفنان الإنجليزي ويليام بليك يقدم تجربة شديدة الخصوصية. لم يكن يكتب القصائد فقط، بل كان ينقش النصوص والرسوم ويطبع كتبه بنفسه باستخدام تقنية ابتكرها عُرفت بالطباعة المضيئة.
ويذكر المتحف البريطاني أن بليك ابتكر تقنية خاصة للحفر البارز استخدمها في إنتاج كتبه، وكان يطبعها ويُنهي تفاصيلها يدويًا في أعداد صغيرة، حتى أصبح لكل نسخة طابعها الخاص. لهذا يصعب النظر إلى بليك باعتباره شاعرًا نشر على نفقته فقط، فقد كان في الوقت نفسه الكاتب والفنان والطابع، وهو نموذج مبكر جدًا لفكرة السيطرة الكاملة على شكل العمل وطريقة تقديمه.
والت ويتمان: «أوراق العشب» من الشاعر إلى القارئ
في عام 1855 أصدر والت ويتمان الطبعة الأولى من «أوراق العشب»، التي لم تكن وقتها العمل الضخم الذي نعرفه اليوم، بل كتابًا صغيرًا يضم 12 قصيدة فقط. وتحتفظ مكتبة الكونجرس الأمريكية بهذه الطبعة، وتسجل أنها صدرت في بروكلين باسم والت ويتمان ناشرًا للعمل، كما توثق أنه ظل طوال حياته يعيد صياغة الكتاب وإضافة قصائد إليه، حتى أصبح يضم قرابة 400 قصيدة في طبعاته الأخيرة.
ولم يتوقف دور ويتمان عند الطباعة، فقد كان يتدخل في شكل الكتاب وتصميمه، وكتب مراجعات مجهولة لأعماله في الصحف للترويج لها، وهي خطوة تكشف أن الشاعر كان يدير أيضًا جانبًا من تسويق الكتاب، قبل ظهور أدوات الترويج الحديثة بزمن طويل.
نزار قباني: دار تحمل اسمه
في العالم العربي، يقدم نزار قباني واحدة من أشهر التجارب في هذا السياق. كان لا يزال طالبًا في كلية الحقوق بجامعة دمشق عندما أصدر ديوانه الأول «قالت لي السمراء» عام 1944، وقام بطباعته على نفقته الخاصة، قبل أن يتحول بعد سنوات إلى واحد من أكثر الشعراء العرب حضورًا وانتشارًا.
لكن تجربة نزار مع النشر لم تتوقف عند ديوان أول دفع تكاليفه بنفسه، ففي عام 1966 ترك العمل الدبلوماسي وأسس في بيروت دارًا للنشر تحمل اسمه، «منشورات نزار قباني»، وتولى من خلالها نشر أعماله. وهنا أخذ النشر الذاتي شكلًا أكثر اكتمالًا، فالشاعر الذي بدأ بتمويل كتاب واحد أصبح يمتلك مشروعًا مخصصًا لنشر شعره وإعادة إصدار أعماله، وهو ما منحه مساحة أوسع في التحكم في كتابه بعيدًا عن خطط الناشرين الآخرين.
لانج ليف: الجمهور جاء قبل الناشر
مع الإنترنت ظهر نموذج آخر: شاعر يبني جمهوره أولًا، ثم يذهب إلى الكتاب. بدأت الشاعرة لانج ليف نشر قصائدها على الإنترنت، قبل أن تصدر بنفسها مجموعتها الأولى «Love & Misadventure» عام 2013. وتكشف بيانات الناشر اللاحق أن النسخة المنشورة ذاتيًا باعت نحو 4 آلاف نسخة خلال ثلاثة أشهر، قبل أن تتولى Andrews McMeel Publishing إعادة إصدار الكتاب على نطاق تجاري أوسع.
روبي كور: كتاب يبدأ ذاتيًا ثم يتحول إلى ظاهرة
تعد تجربة روبي كور من أشهر نماذج النشر الذاتي في الشعر المعاصر. فقد أصدرت مجموعتها الأولى «milk and honey» ذاتيًا في نوفمبر 2014، وتولت كتابة الكتاب وتحريره وتصميمه، قبل أن تحقق الطبعة المستقلة انتشارًا دفع دار Andrews McMeel إلى إعادة نشره في أكتوبر 2015. وتحول الكتاب بعدها إلى أحد أبرز نماذج الشعر الذي وجد جمهوره عبر الإنترنت قبل أن يحتضنه ناشر تقليدي.
وائل فتحي: «منشورات» تحمل اسم الشاعر
ويأتي وائل فتحي بتجربة حديثة في الاتجاه نفسه مع ديوانه «في صحة الميتافيرس». فبعد صدور أعمال سابقة له عن دور نشر، بينها «أحلام شُكُك» و«العادي.. ثائرًا وشهيدًا»، اتجه في تجربته الجديدة إلى النشر المستقل من خلال «منشورات وائل فتحي» وموقعه الرسمي، مع إتاحة الإصدارات في نسخ ورقية ورقمية والتواصل المباشر مع القارئ.
وأطلق وائل فتحي الديوان في بيت الشعر العربي بالقاهرة خلال أمسية أقيمت في 27 سبتمبر 2026، بمشاركة «هارموني عربي»، في خطوة ربطت بين إصدار الكتاب والحضور المباشر أمام الجمهور.
أسئلة شائعة حول النشر الذاتي للشعر
ما هي أبرز مزايا النشر الذاتي للشعراء؟
يمنح النشر الذاتي الشاعر سيطرة كاملة على العمل من حيث الشكل والمحتوى والتوزيع، كما يتيح له بناء علاقة مباشرة مع القراء دون وساطة الناشرين التقليديين، مع إمكانية تحقيق عائد مالي أكبر لكل نسخة مباعة.
كيف أثرت الإنترنت على النشر الذاتي للشعر؟
سهّلت الإنترنت وصول الشعراء إلى جمهور عالمي بتكلفة منخفضة، وأتاحت منصات مثل وسائل التواصل الاجتماعي والمدونات بناء قاعدة قراء قبل إصدار الكتاب، كما ساهمت في ظهور نماذج ناجحة مثل روبي كور ولانج ليف.
هل النشر الذاتي خيار مناسب للشعراء العرب اليوم؟
نعم، خاصة مع تراجع دور الناشرين التقليديين في تبني الأعمال الشعرية الجديدة. تجربة وائل فتحي و«منشورات نزار قباني» سابقًا تثبت أن النشر الذاتي يمكن أن يكون بديلًا فعّالًا، خصوصًا عند الجمع بين النسخ الورقية والرقمية والتواصل المباشر مع الجمهور.